أنت لست وحدك

رسالة لمن يختار الطريق الأصعب دون قصد

<>

كنت أظن أن ثمة خللا جينيا، أو اضطرابا عقليا، يدفعني في كثير من الأحيان إلى سلوك الطريق الأصعب؛ كأنني أختار الشقاء بدل الرخاء، وأفضل التعب على الراحة. أعمل بجهد يفوق المطلوب بكثير، وأتحمل أعباء أثقل، وأربط الإنجاز بالمعاناة. ولمن يراقب من بعيد، قد يبدو الأمر محيرا، فيتساءل: لماذا تفعل ذلك بنفسك؟

في البداية، دعني أقول بوضوح: هذا ليس خيارا واعيا، ولا طريقا قررت سلوكه عن قصد. الأمر أشبه بآلية مغروسة في أعماق التكوين، كأنها مكتوبة في تفاصيل الشريط الوراثي (Hard-coded). إنه الطريق الوحيد الذي أعرفه، لا الطريق الذي اخترته.

ما فيك إلا العافية

في كثير من الأحيان، نتعلم منذ الصغر أن القيمة تأتي من التعب، وأن السهولة تعني التهاون. نُكافأ عندما نُرهق أنفسنا، ونُمدح عندما “نصبر” و“نتحمل”. مع الوقت، يتحول هذا إلى قناعة غير واعية: إذا لم يكن الأمر صعبًا، فهو غير مستحق

أحيانًا أخرى، يكون السبب أبسط من ذلك: نحن نستخدم الأدوات والأساليب التي نعرفها فقط. لم يُعلّمنا أحد كيف نعيد تصميم الطريق، بل كيف نمشي فيه مهما كان وعرًا. فنسير… ونسير… ونظن أن الجميع يفعل الشيء نفسه.

هذا ليس ضعفًا ولا مرضًا

اختيار الطريق الأصعب لا يعني أنك أقل ذكاءً، ولا يعني أنك تعاني من مشكلة نفسية. في الغالب، هو دليل على الجدية، والالتزام، والخوف من الخطأ، والرغبة في الإتقان. المشكلة لا تكمن في نيتك، بل في الافتراض غير المفحوص الذي يقول إن الذكاء يتعارض مع السهولة

متى تتحول الصعوبة إلى عبء؟

الصعوبة تصبح عبئًا عندما:

  • تتكرر النتائج السلبية رغم الجهد الكبير

  • تشعر بالإرهاق المستمر دون إحساس بالإنجاز

  • تربط قيمتك الشخصية بكمية المعاناة التي تتحملها

عندها، لا تكون المشكلة في قدرتك، بل في الطريقة.

إعادة تعريف القوة

القوة ليست في أن تتحمل أكثر دائمًا. القوة أحيانًا في أن تتوقف، تنظر للطريق، وتسأل: هل هناك مسار آخر؟

العمل بذكاء لا يقلل من قيمتك، بل يحميها. واختيار الطريق الأسهل ((عندما يكون صحيحًا)) ليس غشًا ولا اختصارًا مخجلًا، بل نضج.

رسالة أخيرة

إن كنت ممن يسيرون دائمًا في الطريق الأصعب، فاعلم أنك لست وحدك. كثيرون مثلك، طيبون النية، جادون، ومخلصون. ما تحتاجه ليس أن تصبح شخصًا آخر، بل أن تسمح لنفسك بخيار جديد: خيار أن تكون رحيمًا بذاتك بقدر ما أنت صارم معها.

الطريق الأسهل لا ينتقص منك. وأنت، كما أنت الآن، كافٍ.

وإذا خذلك أحدهم بمقولة بأنك تبني درجا نحو القمر، فلا تكترث مهما طال الدرب طالما كنت واثقا بأنك على الطريق الصحيح …

نشرة المهند
نشرة المهند