استراتيجية تجربة العميل
مقالي اليوم مرتبط بآلية وضع استراتيجية خاصة بتجربة العميل في أي شركة وهو موجه للمارسين في المجال، وسأجعل المقال في فقرات متسلسلة لتبسيط المفهوم بقدر الإمكان
الرسالة
أي استراتيجية تبدأ برسالة، ولنتفق بداية على أن رسالة أي ممارس في مجال تجربة العميل هي: “أن تجعلوا العالم أفضل كل يوم لكل من عملائكم وزملائكم” هذه الرسالة العامة لن تتعارض مع رسالة أي شركة تعملوا بها، وهي مكملة لها فمهما كانت رسالة الشركة، سيكون في مصلحة الجميع أن تتحقق بالأثناء التي تكون بها التجربة لكل من موظفي الشركة وكذلك عملائها أفضل، وأسهل، ثابتة ولا تنسى
الرؤية
الرؤية بأبسط صورها هي أنك تريد الانتقال من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) ولن تتمكن من ذلك إلى إذا عرفت مكانك الحالي والمكان الذي ترغب بالتوجه إليه، حتى لو استخدمت جوجل مابس للانتقال من مكان إلى آخر سيطلب منك تفعيل خدمة الجي بي إس، ولكن دعني من أول الطريق أن أخبرك على أهمية أن تتوافق رؤيتك واستراتيجيتك مع رؤية واستراتيجية الشركة، لأن اختلافها يعني الفشل الحتمي لك، إن كان هناك سرب طيور عليك أن تتعلم كيف تحلق معه لا خارجه
تقييم الوضع الراهن لنضج تجربة العميل
في أي شركة لن تتمكن من إعداد استراتيجية لتجربة العميل دون أن تستوعب الوضع الراهن لمستوى نضج هذه الشركة في تجربة العميل، وذلك لتتمكن من معرفة مكانك الحالي لتحدد لاحقا كيفية الوصول إلى وجهتك (الوضع المنشود)، يتم ذلك من خلال تمرين تقييم الوضع الراهن لنضج تجربة العميل في المؤسسة ولا يوجد منهجية موحدة ومعتمدة من جميع الممارسين بسبب حداثة المجال ويوجد لبعض المتخصصين طرق فردية مبتكرة، فعلى الممارس الاستفادة من أطروحات زملاء المهنة في هذا الجانب واستخدام خبرته الشخصية لوضع المعايير التي سيقيم على أساسها مستوى النضج. هذا الجانب قد يتطلب مقالا مستقلا بسبب كثرة التفاصيل المرتبطة به. لكن لا أبالغ حينما أقول بأنه أهم جانب في وضع الاستراتيجية لأننا نقوم فيه بما يشبه بعمل الطبيب حينما يقوم بتشخيص المريض، وباختصار الفشل بالتشخيص سيؤدي إلى الفشل في كل شيء ما بعد ذلك فلن يتم تحديد المرض الصحيح ولن يتم وصف الدواء الصحيح وسيبقى المريض مريضا وربما يتفاقم وضعه
في هذا التقييم ستقوم بفحص الشركة سريريا، ستسأل المريض عن أماكن ألمه وستقوم ببعض التحاليل والصور لتستطيع تشخيص المشكلة بشكل جيد … نصيحتي هنا هو أن تعطي هذا التمرين وقته ولا تسمح للآخرين باستعجالك … يمكنك كذلك أن تقوم بإسناد المهمة لطرف ثالث خارجي متخصص مع اعتبار أن فهم السياق قد يكون تحديا للطرف الخارجي ولكنه قد يكون أيضا تحدي بالنسبة لك إذا كنت جديدا في الشركة
النصيحة الأهم هنا: في حال تم مناقشتك بتمرين نضج تجربة العميل في الشركة، يجب أن لا تقلل من الجهود التي تمت سابقا حتى لا تخلق عداوات، التمرين لك أكثر من أن يكون لغيرك. تذكر دائما أن تشكر الجهود السابقة وتحاول تغليف التقصير بقالب عنوانه: فرص التحسين وبأن ما ستطرحه من حلول ومبادرات ما هو إلا امتداد للنجاحات السابقة وأنه مستلهم من توجهات ورؤية قادة الشركة … أنا لا أطلب منك أن تكون منافقاً ولكن أساعدك في الحصول على مباركة الجميع … حتى لو كنت على حق وكان الجميع مخطئاً فكر بكلماتك قبل أن تقولها لأنه بكل تأكيد يمكنك أن تقولها ما تريد قوله بإيجابية وستصل نفس الرسالة أو تحقق نفس الغاية في نهاية المطاف
تقييم الجدارات المتاحة
إن لم تقم بفعل ذلك في التمرين السابق، فقم به الآن وأريدك أن تتخيل بأنك ستلعب لعبة شطرنج لكن ليس من بدايتها وإنما في وسط اللعبة. أول شيء ستقوم به هو تقييم الموارد المتاحة (الأحجار المتبقية) ومن ثم مواقع هذه الأحجار والمخاطر المرتبطة بأماكنها الحالية، دون أن نبحر كثيرا بالمثال تذكر أن التحدي يكمن في الندرة بمعنى أن لعبة الشطرنج لن تكون ممتعة إذا ما كان لديك خمسة وزراء أو ثمانية فيلة بدلا من الجنود. التقييم في هذه المرحلة يرتبط بتحديد ما إذا كانت الجدارات الرئيسية لتجربة العميل متوفرة في الشركة أو ضمن فريق تجربة العميل أم لا وذلك لمعرفة الجوانب التي ستركز عليها في استراتيجيتك خلال 3 إلى 5 سنوات القادمة … تذكر بأنك لن تتمكن من غلي المحيط دفعة واحدة
ليس بالضرورة أن يكون لديك فريق كبير تحت إدارتك المباشرة بل يمكن تشكيل مجموعة من سفراء تجربة العميل إذا ما توفرت لديهم الجدارات المطلوبة، حالك كحال الرسل الذين يريدون نشر دين جديد، طريقهم مليئة بالمصاعب ويعانون كثيرا حتى ينجحوا بإقناع الناس ويخلقوا تابعين مخلصين وداعمين لرسالتهم، الفكرة أن الموضوع ليس بالسهولة التي قد يتخيلها البعض لكن ما إن انتشرت المفاهيم وأصبح لديك تابعين مؤمنين بالفكر الذي ستطرحه فحينها ستصبح مهمتك أسهل
وضع الأهداف الاستراتيجية
الآن وبعد أن انتهيت من الرسالة والرؤية وقيمت الوضع الراهن وعرفت حجم الموارد المتاحة (الجدارات) أصبح بإمكانك وضع الأهداف الاستراتيجية التي ستساعدك بالوصول إلى الوجهة المطلوبة (الوضع المنشود) أنصحك بأن لا تكون أهدافك الاستراتيجية كثيرة لأن كل هدف استراتيجي سيندرج تحته مجموعة من المبادرات التي ستساعد في تحقيقه وانتبه من فخ التفكير في التفاصيل بهذه المرحلة، هدفك الحالي وضع الاستراتيجية وليس التخطيط لتنفيذها والتفصيل في كل المبادرات المحتملة لتحقيقها. والآن إليك هذه النصيحة المهمة التي ستساعدك في الحصول على القبول من قادة الشركة أو من المساهمين فيها
يجب أن يكون تحقيق الأهداف الاستراتيجية مرتبط بنتيجتين رئيسيتين، نتائج تساعد كل الشركات على أن تستمر وتصبح أكبر وهما: إما تقليل التكاليف أو زيادة العوائد وعندما أقول مرتبط فهنا نتحدث عن العائد على الاستثمار في تجربة العميل، ويمكنك فعل ذلك إما إثبات العلاقة بطريقة علمية ومنهجية أو من خلال الاستدلال بأبحاث وإحصاءات مرتبطة بإثبات العائد على الاستثمار في تجربة العميل. أُفضل شخصيا الطريقة الأولى وإن كانت أصعب وأطول. الثانية صحيح قد تكون أسهل وأسرع لكنها في العديد من الأحيان قد تكون مضللة وغير دقيقة بسبب عدم توافق سياق الأبحاث التي تستشهد بها مع سياق المنطقة التي تعمل بها أو الصناعة التي تعمل بها شركتك ولكن تذكر أيضا أنك إن لم تتمكن من إثبات العائد على الاستثمار لأي هدف استراتيجي (لأي سبب كان) فذلك لا ينفي أهميته أو أن هناك فائدة من تحقيقه وقد تجد من يؤمن بذلك من خلال حدسه وخبرته وإن لم تتوفر الأدلة الدامغة
كذلك احرص على أن تكون الأهداف الاستراتيجية واضحة، سهلة الفهم، وبسيطة المسميات (لا تسخدم مصطلحات تقنية معقدة) وحاول تبسيطها لأنك ستقع في فخ لعنة المعرفة، فمعظم الذين ستعرض عليهم استراتيجيتك لا يعرفون عن ماذا تتحدث. بعد أن تنتهي منها وضع أهداف الاستراتيجية إقرأها وفكر هل ستكون سهلة الفهم على طالب جامعي. إذا شعرت أنها معقدة حاول تبسيطها أكثر
عند وضع الأهداف الاستراتيجية يمكن أن تفكر بالنتيجة ثم تعود بشكل عكسي بتفكيرك بالأمور التي يجب تنفيذها للوصول إلى هذه النتيجة وبالنهاية سيكون من الجميل أن تكون المسودة الأولى من أهدافك الاستراتيجية مصاغة بالطريقة التالية: أريد أن أقوم بـ (أ) لغرض تحسين (ب) وهذا سيكلفني (جـ) من الموارد والنتيجة ستكون (د) كعائد على الاستثمار
النصيحة الأهم هنا: هي أن لا تعامل كل ما يقال من أفراد العليا على أنه مسلمات أو مهام يجب تنفيذها مباشرة، تذكر أن الأشخاص بالإدارة العليا حالهم كحال من يعيش في ناطحة سحاب وتحديدا في الأداور الأعلى منها فهم حتى لو كانوا يعملون مع موظفيهم في نفس المبنى فليس بالضرورة أن يكونوا ملمين بكامل التفاصيل الدقيقة، فلو نظر أحدهم من النافذة سيجد البشر والسيارات صغيرة جدا وقد لا يرى أشياء أصغر بحكم المسافة إلا لو نزل بينهم في الميدان
وضع قائمة بالمبادرات تحت كل هدف استراتيجي
تحت كل هدف استراتيجي سيكون لديك مجموعة من المبادرات أو المشاريع أو المهام التي يتنبغي تنفيذها لتحقيق هذا الهدف، أحرص على أن يكون هناك خط زمني واضح، ميزانية وموارد مطلوبة، وكذلك عائد على الاستثمار موضح (إن أمكن) ضمن كل مبادرة أو مشروع سيتم تنفيذه خلال الفترة القادمة، نتحدث الآن عن التخطيط لتحقيق الاستراتيجية. قد تواجهك تحديات في وضع مؤشرات الأداء إذا كانت غير قابلة للقياس وقد يواجهك تحد آخر في إثبات العائد على الاستثمار وهذا طبيعي فلا تجعله عائقا لإتمام هذه المهمة، المهم الآن أن تميز أولوياتك وترتب تسلسل تنفيذك للمبادرات أو المشاريع بطريقة منطقية، فمعرفة الأشياء الغير مهمة التي يمكن تأجيلها لا يقل أهمية عن معرفة الأشياء المهمة التي ينبغي تنفيذها في أسرع وقت
إذا كان لديك نقص بالموارد البشرية أو الأدوات أو الجدارات فعليك أن توضح ذلك لقادة الشركة خصوصا إذا ما كنت مؤمنا بأهمية تنفيذ المبادرة التي ينقصها أحد هذه العناصر لتنفيذها. قد لا يكون إقناعهم سهل لكن تذكر ربط مبادراتك بـتقليل التكاليف أو زيادة العوائد
مبادراتك وأهدافك إما ستساعد الشركة على تقليل التكاليف أو زيادة/توليد العوائد
Top line
أو زيادة صافي الربح هو عبارة عن طرح التكاليف من العوائد
Bottom line
إذا ما نجحت بهذا الربط فكر أيضا باختيار المبادرات التي ستخلق قيمة أكبر لعملائك (عملاء كانوا موظفين) واجعل هذين المعيارين منهجك في تحديد أولوياتك لتنجح في تقليص الفجوة بين النجاح من وجهة نظر العميل ووجهة نظر الشركة
حاول عندما تضع تفاصيل المبادرات أو الأهداف أن توضح العلاقة بينها وبين طبيعة العمل، فأنت لا تريد أن يحكم على أطروحاتك أن مشاريع أو مبادرات عامة وإنما يجب أن ينظر لها على أنها صممت خصيصا لطبيعة الصناعة التي تعمل بها ولتحل مشاكل محددة واضحة للجميع
أحد الأشياء التي ستساعد على تبني أصحاب المصلحة لمبادراتك هو مشاركتهم والتوافق معهم عند وضعها، فلو كان لديك ما يكفي من الوقت اجتمع معهم وناقش معهم توجهاتك قبل مشاركة الاستراتيجية أو عرضها على أصحاب القرار، في نهاية المطاف: هدف أي ممارس في مجالنا هو خلق حِراك على مستوى الشركة وليس مجرد خطط عمل أو خطط مشاريع تجمع الغبار على أحد الأرفف
أخيرا، الطبيعة البشرية تميل لما هو سريع في التطبيق وأكثر فعالية من حيث الأثر، يمكنك التفكير بمشروع فقدان الوزن. دائما ما نبحث عن أقصر الطرق لذلك وقد تكون فعالة وتحدث أثرا لكنها غير مستدامة … انتبه للنجاحات السريعة (كويك وينز) فبعضها لا يحدث أثرا مستداما، ولكن إن وجدت بعض الفرص التي ستؤدي لنجاح سريع ومستدام فلا تتردد بالقيام بها لأن صداها سينتشر بسرعة … بنفس الوقت لا تنس أهمية المبادرات طويلة الأمد التي لا يمكن قطف ثمارها إلا حينما تنضج، كالمرأة الحامل لا يمكن أن تلد المولد قبل 9 أشهر
تحديد التوقعات للفريق الداخلي
لنفترض أن المبادرات أصبحت واضحة الآن وأنك قد حصلت على مباركة الإدارة العليا لتنفيذها، عليك الآن أن تضع الخطط الزمنية والموارد اللازمة لتنفيذها، يمكنك التخطيط لتنفيذ هذه المبادرات على مدار السنة ومن المهم أن يكون لديك مواعيد تسليم نهائية لكل مبادرة لأن ذلك سيساعدك على الالتزام، أحد الكتب الجيدة في جانب التخطيط كتاب (عامالـ12أسبوع) وهو كتاب باللغة الانجليزية، لكن بإمكانك إيجاد مختصر له بالعربية على هذا الرابط.
عليك الآن أن تحدد التوقعات لفريقك الداخلي (تحت إدارتك المباشرة) أو للزملاء ضمن فريق سفراء تجربة العميل، ولا يكفي ذلك بل عليك أن تتابع معهم بشكل دوري للتأكد من جريان التنفيذ بحسب الخطة الموضوعة لكل مبادرة، قدم لهم الدعم واطلب لهم الدعم إن كانوا يحتاجون لذلك فتحديد تاريخ إنهاء المبادرة لا يكفي
نصائح ختامية
إعداد استراتيجية تجربة العميل ليس فقرة ضمن قائمة المهام التي ينبغي عليك القيام بها (ليس شيء تضع بجانبة علامة صح) وإنما هي مهمة قابلة للتعديل مع مرور الوقت، تذكر أن لا تغير الهدف إذا تعثرت عبر الطريق وإنما عليك أن تغير الطريق، تماما كجوجل مابس إذا أوصلك التطبيق لطريق مسدود هل ستتوقف عن المضي؟ بالتأكيد لا ستعود وتبحث عن طريق آخر … فطالما كان نجم الشمال واضحا بالنسبة لك استمر نحو وجهتك وإذا ضللت الطريق أو وجددته مسدودا، ابحث عن طريق آخر لبلوغ هدفك. وأخيرا ركز على ما يمكنك القيام به وليس ما لا يمكنك القيام به، لأن تفكيرك في المفقود مضلل وسيخلق الكثير من الضباب في طريقك فلا تستطيع الحراك أما تفكيرك بالموجود (الممكن) سيزيل الغشاوة ويساعدك على المضي قدما … وأخيرا وليس آخرا آمن بأهدافك قبل الجميع
كيف تُريد منهم أن يؤمنوا بأهدافك وهم يرون عينيك تكفران بها؟
عائشة العمران | كن بخير ص38
إلى زملاء المهنة، تكرموا علينا بالتعليق أوبالنقد في التعليقات لإثراء المقال