هل يستحق مؤشر صافي الناصحين كل هذا التقدير؟
Does Net Promoter Score deserve such recognition?
الانجراف وراء التوجهات بطريقة عمياء خاطئ ومضلل، قرأت مؤخرا العديد من المقالات التي تنتقد فعالية مقياس الولاء الشهير: صافي مؤشر الناصحين وتطعن بمصداقيته، وقد كتبت سابقا مقالا عن هذا المؤشر تجدوه هنا دون أن أتحدث عن سلبياته، وقررت أن أمارس التفكير النقدي وأحلل بطريقة محايدة مسألة ما إذا كان يستحق هذا المؤشر الشهير كل هذا التقدير والأضواء، وقد وقعت على العديد من المقالات في مدونات تهتم بالأبحاث التسويقية وتطبيقاتها، وفي مقالي هذا سألخص تجربتي
يبدوا بأن مخترعي هذا المؤشر نجحوا نجاحا باهرا في تسويقه، وقد استندوا في ذلك إلى أن هناك ارتباط مباشر بين هذا المؤشر وبين نسبة النمو والأرباح في المنظمات، وانتشر استخدام هذا المؤشر انتشار النار بالهشيم بين العديد من المؤسسات والشركات القيادية حول العالم قبل بضع سنوات، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نجح كل من استخدم هذا المؤشر بإثبات العلاقة بين نتائج المؤشر والأرباح لديه؟ ولنفترض أن مخترعي هذا المؤشر فعلا أثبتوا تلك العلاقة في بعض الشركات فهل هذا يعني أن العلاقة حتما موجودة في جميع الشركات وجميع الصناعات؟ الإجابة: حتما لا، التعميم قاعدة خاطئة والبينة على من ادعى
هناك عدة أسباب ساهمت في انتشار استخدام هذا المؤشر منها على سبيل الذكر لا الحصر: سهولة استخدامه وتطبيقه، وكونه أن مخترعيه منحو صلاحية استخدامه دون تبعات مادية لأصحاب الحقوق، كما وأنه من أقل المؤشرات من حيث التكلفة لكونه يتضمن سؤالا واحد بمقابل النماذج الأخرى التي تطلب طرح عدة أسئلة وهذا يعني استبيان أطول وتكلفة أعلى، والطبيعة البشرية تريد تحقيق أكبر المكاسب باقل التكاليف وبأكبر سرعة ممكنة … لذلك كان هذا المؤشر هو الحل، كما أضاف المقال الذي نشر في مجلة هارفرد بزنس ريفيو مصداقية قوية لهذا المقياس، رغم أن كاتب المقال هو نفسه المبتكر لهذا المؤشر، وعنوان المقال يحمل بين طياته ثقة عمياء وهو بعنوان: الرقم الوحيد الذي تحتاجه لكي تُنمّي أعمالك … ويقصد بالرقم ناتج هذا المؤشر، وعند سؤال العديد من المستخدمين هنا في المملكة العربية السعودية تبين لي أن قرار استخدامهم كان بناءً على استخدام غيرهم له وأن بعضا منهم لديه انطباع بأن المؤشر مثبت بأبحاث أكاديمية ولكنه لم يتحقق بنفسه
مشاكل مؤشر صافي الناصحين
المشكلة الأولى
مشكلة إثبات العلاقة بين نتائج المؤشر والأرباح المتوقعة أو النمو المتوقع، فرغم تقديم العديد من الحالات التي تثبت ذلك إلا أنه بالمقابل هناك العديد من الشركات استخدمته وأثبتت العكس تماما وأنه لا يوجد أي علاقة حينما تم اختبار ذلك باستخدام بعض الأدوات الإحصائية لدراسة العلاقة
المشكلة الثانية
مشكلة الثقافات المختلفة فبعض الشعوب يستحيل أن يجيب بـ 10 ويقول أن الكمال لله، إذا لم يتبقى عندنا إلا النقطة 9 التي تدخل في معادلة المؤشر وهذا بحد ذاته مشكلة معتبرة، ناهيك على أن بعض الثقافات وخصوصا في الدول العربية تهول في إجاباتها ولا تعطي إجابات تعكس حقيقة الواقع، إذا أنه من الممكن أن يتعاطف معك أحد العملاء ويقول لك بالطبع سأوصي ويعطيك أعلى نقطة في المقياس ولكن إذا جئت للواقع ستجده على النقيض تماما، ولهذا فإن هذا المؤشر يعتمد على المواقف وليس بالضرورة أن تعكس هذه المواقف السلوكيات الحقيقة للعملاء مستقبلا وخصوصا تلك السلوكيات المرتبطة بولاء العميل مثل: انحلال العملاء للمنافسين، زيادة الشراء … إلخ، ناهيك عن عدم قدرة هذا المؤشر على التمييز بين العملاء الراضين والغير راضين فالعميل الذي يروج بإيجابية بحسب المؤشر ليس بالضرورة أن يكون راضيا والعكس صحيح.
المشكلة الثالثة
افتقار قدرة المؤشر على تحديد أسباب انخفاض الولاء أو ارتفاعه، فرغم طرح سؤال مفتوح بعد طرح السؤال الرئيسي إلا أن ذلك ليس كفيلا بتقديم إجابات تفصيلية تساعد أصحاب القرار على تحديد نقاط التحسين وتحديد أولوياتها كما لا يساعد المقياس بتقديم تحليل واضح للمنافسين، وفي حال تحليل الإجابات الصادرة من السؤال المفتوح فسنجد صعوبة في معرفة جوانب القوة أو الإيجابيات التي سيتحدث عنها الناصحون الإيجابيون لأقاربهم أو أصدقائهم
المشكلة الرابعة
نتيجة المؤشر بحد ذاتها لا تعطي أي قيمة مضافة لمتخذي القرار في حال عدم توفر مؤشرات مقارنة معيارية عن أداء المنافسين، وتلك الأخيرة وإن توفرت فالتعامل معها حساس جدا لعدة أسباب تحدثنا عنها في مقال سابق
المشكلة الخامسة
المؤشر يعتمد بشكل رئيسي على (ما يتم تناقله بين المستهلكين عن منتج معين أو خدمة معينة) وذلك ما يسمى اصطلاحا باللغة اللانجليزية بـ
(WOM) Word of mouth
وننوه إلى أن هناك بعض من المنتجات أو الخدمات التي لا ينطبق عليها هذا المبدأ من الأساس ولا يتناقل الناس عنها أي أحاديث سلبية أو إيجابية، رغم الإقرار بالمقابل على وجود منتجات وخدمات يتحدث الناس عنها بكثرة، ويجدر بالذكر بأن ما يتناقله المستهلكون يتأثر بعدة أمور وليس فقط بأداء أو مستوى الخدمة المقدمة، على سبيل المثال لا الحصر الحملات التسويقية الناجحة تؤثر على ذلك ولو لم يتغير مستوى الخدمة في تلك الآونة، ورغم أن الــ Word of mouth
لها دور ملموس في رفع المبيعات، إلا أن عملية قياسها فعليا يختلف عن قياسها احتمالية حدوثها من خلال سؤال العملاء عن ذلك باستخدام المؤشر الذي نتحدث عنه، وبالقياس الفعلي نعني مثلا مراقبة الشبكات الاجتماعية وتحليل محتواها وتصنيف المحتوى لدراسة حجم ونوعية ما يتم تناقله بين العملاء أو المستهكلين المحتملين
المشكلة السادسة
هناك أيضا مشكلة تتعلق بتصميم المقياس وتصميم السؤال نفسه الذي يعتبر من الأسئلة التي تفترض بأن المجيب سيوصي وهذا من ناحية عِلم تصميم الاستبيانات خاطئ ولا ينصح باستخدام هذا النوع من الأسئلة وليس هناك فائدة في تفصيل ذلك في هذا المقال، فالحديث عن هذا الجانب يطول
المشكلة السابعة
بالنظر إلى المعادلة فإنها قد تؤدي لظهور أرقام يصعب تفسيرها فلو تفكرنا بالمثال التالي لشركتين متنافستين
الشركة أ: حصلت على صافي مؤشر مروجين قدره 20% علما أنه لم يتوفر لديها أي متحدثين سلبيين (الذين جاوبوا بين 0 إلى 6) بينما كان لديها 80% ممن أجابوا بين النقطتين 7&8، و20% ممن أجابوا بين النقطتين 9&10
بينما حصلت الشركة ب: على نفس النتيجة 20% علما أن نسبة المتحدثين السلبين لديها (الذين أجاوبوا بين النقاط 0 إلى 6 40%، و 0% لمن أجابوا بين النقطتين 7&8، و60% ممن أجابوا بين النقطتين 9&10
كلا الشركتين حصل على نتيجة واحدة 20%، ماذا يعني ذلك؟ قد لا تستطيع تفسير ذلك بشيء، هل يمكن أن يحصل كلاهما على نفس الحصة السوقية؟ من سيتقدم على الآخر ولماذا … للأسف لا يمكنك تفسير ذلك بطريقة علمية.
المشكلة الثامنة
فكرة طرح سؤال واحد عام، هي فكرة مضللة بحد ذاتها فعند تفكيري بشركة معينة على المستوى الإجمالي فقد أكون أنا شخصيا من أكثر الناصحين السلبين عنها ولكن إذا ما سألتني أن أتحدث عن التفاصيل فقد يتوفر لدى هذه الشركة التي أكرهها منتج معين أفضله عن جميع منتجات منافسيها الآخرين، وذلك يعني أن مستخدمي هذا المؤشر سيضطرون لطرح هذا السؤال على جميع المنتجات الرئيسية لديهم التي يتم توفيرها من منافسين آخرين، وكذلك يجب عليهم أن يسألوا كذلك عن جميع منتجات المنافسين ليصلوا إلى نتيجة يمكن أن تتم مقارنتها، وهذا يعني استبيان طويل يُفقِد هذا المؤشر ميزته التي تتعلق بقلة التكلفة وقصر الاستبيان
المشكلة التاسعة
في أبحاث الأعمال (B2B) قد يكون استخدام هذا المؤشر مضلل بشكل كبير، مثلا لنفترض أن شركة ما باعت نظام معلوماتي إلى شركة أخرى، وأن الشركة البائعة طرحت على مستخدمي نظامهم هذا السؤال، قد تتفائل بإجاباتهم ولكن بالتفكير بشكل واقعي هؤلاء المستخدمين لا يملكون قرار الشراء وإنما يقع قرار الشراء بيد جماعة قليلة جدا من الأشخاص في كل منظمة وهؤلاء لو وجهت إليهم السؤال قد تنصدم بالتعارض الشديد بين نتائجهم ونتائجهم زملائهم المستخدمين للخدمة، وحتى لو فرضنا جدلا حقيقة أن المستخدمين سيروجون بشكل إيجابي للعديد من الأصدقاء والزملاء على نفس مستواهم فذلك لن يكون ذا أثر كبير كما لو روج متخذوا القرار أنفسهم إلى أصدقاء أو أقارب بنفس مستواهم
في عام 2007 قام تيم كينينجهام وهو نائب رئيس أول قسم الولاء في شركة إبسوس العالمية مع مجموعة من الباحثين بإجراء دراسة على المقياس وصحة ادعاء أنه أفضل رقم يمكن الاعتماد عليه للتنبؤ بالنمو أو الأرباح ولكن نتائج أبحاثه توصلت إلى أن العلاقة بين المؤشر وقدرة الشركة على النمو لا يمكن إثباتها بأي شكل من الأشكال، ومن بعد هذا البحث المشكك بدأ العديد من الباحثين والمتخصصين بإجراء بعض التجارب ونشروا استنتاجاتهم القريبة من استنتاج الباحثين من شركة إبسوس.
ستجد ملخص لهذه الدراسة في الموقع التالي
القائمون على مؤشر رضا العملاء الأمريكي توصلوا أيضا من خلال بعض التجارب أن مؤشرهم أثبت أن علاقته أقوى من تلك التي يتم ادعاءها في مؤشر صافي الناصحين
في نهاية مقالي أريد أن أنوه إلى أن هناك العديد من المؤشرات الأخرى التي أثبت من خلال التجربة علاقة نتائجها بمؤشرات النمو والأرباح لدى الشركات ولربما لم تحصل هذه المؤشرات على تلك الأضواء التي حصل عليها مؤشر صافي الناصحين، وقد نصح بعض الخبراء باستخدام عدة مؤشرات في آن واحد وثم التوصل إلى أفضل مؤشر يمكن الاعتماد عليه، الفكرة التي أريد توصيلها للقراء أنه لا يوجد مؤشر بين هذه المؤشرات صحيح أو خاطئ مئة بالمئة ولكن عليك تبدأ بالمؤشر الذي أثبت أصحابه ومجربوه تلك العلاقة، فبالنهاية أن تستثمر في تطبيق عدة مؤشرات لتحدد الأنسب لك كل منهم على حدا فذلك يعد مضيعة للمال والوقت والجهد، وبالحديث عن أهم تلك المؤشرات التي أجري حولها العديد من الأبحاث لإثبات قدرتها على مساعدة متخذي القرار على التنبؤ بنسب النمو والأرباح : مؤشر رضا العملاء الأمريكي وقد تحدثت عنه في مقال سابق هنا، وكذلك من أحدث هذه المؤشرات: مؤشر جهد العميل
وعن هذا المؤشر الذي بدأ يحل محل صافي مؤشر الناصحين في العديد من المنظمات سيكون مقالي القادم وسأحاول بنفس المقال رصد إيجابيات وسلبيات هذا المؤشر وسأبحر كذلك في آراء النقاد لأعرف مدى جدواه وصحة ادعاءاته من عدمها، وعلى الله قصد السبيل
سيشرفني ويسعدني مروركم على مقالاتي الأخرى هنا