استبيانات تحتضر وتقارير بلا روح
تمهيد
مرت سنوات ونحن نواجه تحديات كثيرة في الحصول على رؤى ومعلومات قيّمة من العملاء حول تجاربهم وتحديات لاحقة في وضع مخرجات الأبحاث التي نجريها في قوالب جذابة تدفع أصحاب العلاقة إلى توظيف توصياتها، فكرنا كثير وقرأنا كثير كيف يمكن أن نُحسّن من الاستبيانات ومن التقارير لكننا أغفلنا الإنسان الذي ستتم مقابلته أو الذي سيتلقى التقرير لتوظيف نتائج! هل سبق لك أن فكرت كيف يمكن أن تجعل من عملية جمع إفادات العملاء عملية يندمج بها كلا من الباحثين الميدانيين والمستهدفين على حد سواء؟ هل فكرت يوما بمشاعر الشخص الذي يقلب صفحات/شرائح التقرير الذي أمضيت أسبوعا أو ربما أكثر وأنت تعده وتحرص على كماله لكن المتلقي لم يلمس ذلك؟ …عن هذين السؤالين سيدور مقالي
قرأت مؤخرا كتابا بعنوان
Design-driven Feedback
ساعدني هذا الكتاب في تبني منظور جديد كنت غافلا عنه رغم عملي منذ سنوات في مجال يحثني على النظر من ذلك المنظور.. فأنصح جميع العاملين بمجال تجربة العميل أو الأبحاث التسويقية بقرائته. يمكنك تحميل الكتاب مجانا من هناأو شراءه من هنا
حقائق
عملية جمع آراء العملاء وبحث تجربتهم باتت عملية باردة بلا روح وهذا أدى لانخفاض قيمة مخرجات مثل هذا النوع من الدراسات، كنت أعرف ما هي الأسباب وراء ذلك وهي على سبيل المثال لا الحصر تتعلق بالكم الهائل من الاستبيانات التي تصلنا من عدة جهات إما لخدمات جربناها مؤخرا أو لأصدقاء وزملاء يجرون بحث يخدم رسالة الماجستير أو الدكتوراة الخاص بهم …أو تتعلق بالاستبيان نفسه حينما يكون مصمم بطريقة سيئة لجهل مصممه بأبجديات تصميم الاستبيان .. وكذلك المدة التي يحتاجها المستهدف لإتمام الاستبيان لها دور جوهري في دفع المستهدفين للانسحاب من الاستبيان دون إكماله، المصطلح العلمي الذي يناقش هذه التفاصيل يسمى بالملل من استطلاعات الرأي
Survey Fatigue [2] in English
وهو مرتبط بأنواع مختلفة من الممل الذي يصيب الفئة المستهدفة باستطلاعات الرأي، الملل من الكم الهائل من الاستبيانات التي تصل للشخص أو الملل من طول الاستبيانات أو الملل من هيكلية الاستبيان الغير مهنية أو الملل من طرح نفس السؤال بطرق مختلفة وأخطر أنواع الملل هي تلك التي ترتبط بإيمان المجيب بأن لا جدوى ولا قيمة لآرائه لسبب بسيط هو أنه سبق وكرر نفس الاقتراحات واشتكى من نفس المشاكل لعدة مرات دون أن يجد خطوات جدية تتخذ من مقدم الخدمة/مصنع المنتج
ولو تأملنا فيما ذكر سنعود إلى نفس النقطة فجميع الأسباب تدور حول إهمال الجانب الإنساني في العملية
الاستبيانات كنقطة تفاعل لا كأداة لجمع البيانات
هل سبق أن نظرت للاستبيان (الذي كنا نعتبره عادة كأداة لجمع البيانات) كنقطة التماس ضمن رحلة العميل مع منتجك؟ وأن هذا التفاعل بين مقدم الخدمة والعميل يمكن أن يترك أثرا سلبيا أو إيجابيا على العلاقة مع العملاء؟ شعور العميل برغبتنا الحقيقية بسماع صوته تؤثر بشكل كبير على كم ونوع التفاصيل التي سيشاركها معنا … إذا لم يشعر العميل بذلك فلن يشاركنا بما يكفي أو بمعنى أصح لن يشاركنا بشيء من الأساس برفضه لإجراء المقابلة أو ملء الاستبيان
الاستبيانات الإلكترونية جافة (بشر يخاطب آلة)، أو مقابلات هاتفية يجريها موظفين غير مدربين تُشعر العميل أن هناك ببغاء أو رجل آلي على الطرف الآخر من الهاتف يردد بعض الأسئلة دون وعي أو دون رغبة صادقة منه بالاستماع لصوته تؤدي لتشكيل انطباعات سلبية عن العلامة التجارية وإلى الحصول على نتائج مغلوطة وغير دقيقة بطبيعة الحال
مستخدمي الاستبيان كأداة لجمع البيانات أغفلوا جانب مهم وهو (كيف يتفاعل الإنسان مع هذه العملية وكيف ينظر لها من زاويته)، “السبب كان بأن هذه الطلبات –القصد طلبات المشاركة باستبيان- فشلت بالانصياع لقوانين اجتماعية راسخة والتي تطورت تدريجيا عبر مرور عدد لا يمكن إحصاؤه من الأجيال” ص55 المصدر 1 والذي يحاول المؤلف قوله بحسب فهمي أننا كثير من الأمور تتطورت بالعلاقات الإنسانية لكن الأداة نفسها لم تتطور بما يكفي. ولذلك هناك توجه كبير لمقدمي هذا النوع من الخدمات من جعل العملية تفاعلية أكثر ومسلية أكثر ولربما محفزة من خلال استخدام تقنيات الألعاب أو يسمى بالجيميفيكيشن
المخرجات التي لا تركز إلا على الجانب المظلم
لدى العاملين في مجال أبحاث التسويق/السوق وكذلك تجربة العميل نزعة لا إرادية بالتركيز على الجانب المظلم من النتائج (سلبيات الخدمة / المنتج أو جانب عدم الرضا وكذلك الاقتباسات المرتبطة بها)، ربما لا يعرف متلقي التقارير بأنهم يفعلون ذلك بشكل لا إرادي لأنهم يظنون بأن كل ما يريده طالب البحث هو الأشياء التي يمكن تحسينها، لكن إذا ما نظر معدوا هذه التقارير من زاوية مختلفة وهي النظر للمخرجات التي يتم مشاركتها مع أصحاب العلاقة كنقطة التماس، وأن محتوى المخرجات وطريقة إخراجها قد تترك أثر سلبيا أو إيجابيا على أصحاب العلاقة وتؤثر على مستوى تفاعلهم مع هذه المخرجات لتغيرت طريقة إعدادهم لها، يقول المؤلف: “نحن نبرمج البشر مسبقا على التعامل مع المخرجات بحماس إذا ما قمنا بإخراجها ببراعة، لكن إذا ما قدمناها لهم بشكل رديئ فنحن نبرمجهم مسبقا على المقاومة” ص22 المصدر [1] … ولذلك يجب علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نصمم بها المخرجات وفي طريقة مشاركتها … أن نعيد النظر بمحتوى هذه التقارير ونفكر بالمتلقي (الإنسان) صاحب العلاقة كيف سيتلقاها؟ ما هي المشاعر التي ستراوده أثناء تصفحه لها … علينا أن نعيد النظر بالصفحات/الشرائح التي وَلَّدَت عند المتلقي ردة فعل سلبية ونسأله ونفهم سبب تولد هذه المشاعر لنعيد التصميم بطريقة تتلائم مع الزاوية التي ينظر منها للتقرير … علينا أن نعي جيدا بأن تقرير واحد لن يناسب الجميع وأن محتوى التقرير يجب أن يختلف باختلاف الجمهور المتلقي، كمثال: لا يمكن أن يكون نفس التقرير بنفس هيكليته ومحتواه مناسبا لأشخاص من مستويات إدارية مختلفة … علينا أن ننظر لمتلقي هذه التقارير كعميل له الحق بالرضا أو عدم الرضا .. بالسعادة أو الغضب .. علينا أن ننتبه إلى لعنة المعرفة ونتذكر أن المتلقي قد يصعب عليه تفسير محتويات التقرير وفهمها، فلربما لم يتداول هذا الشخص مسبقا أي وثيقة تتضمن رسوما بيانية ولا يعرف حتى طريقة قرائتها، ربما لا يعرف الكثير من المصطلحات التقنية التي تملئ هذا النوع من التقارير عادة … بعد كل هذه التنبيهات هل تغيرت نظرتك للتقرير؟ هل نجحت بالتقمص العاطفي مع متلقي التقرير؟ أنا على يقين بأن إجابتك هي نعم
الخاتمة: ما هو الحل
الحل في أن نجعل آلية جمع البيانات أشبه بتفاعلاتنا الإنسانية وأن ننظر للشخص المبحوث المستهدف باستبيان معين أو الشخص الذي سيتلقى تقريرا كإنسان ونحاول النظر لهذه الأمور من زاويته، ولعلنا نحتاج إلى المتخصصين في مجال التفكير التصميمي ليتعاملوا مع هذا التحد الذي يحتاج إلى بحث وحل وذلك ليساعدونا بالخروج من الجمود والرتابة التي تتصف بها الاستبيانات وكذلك التقارير الناتجة عن مخرجاتها ولكن بعيدا عن المتخصصين كل ما يجب علينا ممارسته هو التقمص العاطفي … أن نضع نفسنا مكان الشخص المستهدف بالاستبيان
بالنسبة للمخرجات (التقارير) ينصح المؤلف [1] باستخدام تقنية (قص القصص) لأن الإنسان بطبعه يحب القصص ويصعب عليه نسيانها، ونصح كذلك بالاختصار بقدر الإمكان، فالمعنين بالاطلاع على هذه التقارير ليس لديهم الوقت ليقرأوا عدد مهول من الصفحات/الشرائح، فخير الكلام ما قل ودل. يجب كذلك أن يتوازن محتوى التقارير بين حيث السلبيات والإيجابيات لأن التركيز فقط على مكامن الخلل سيشعر المتلقي بأنه قد تم إنكار كل جهوده وأن التركيز كان فقط على الإخفاقات (وهذا مجحف في نظره) -وإن حسنت نوايا معد التقرير ولم يكن لديه نية بذلك-،الأصعب من كل ذلك هو أن تستعرض التقرير على صاحب العلاقة الرئيسي وتستمع له وتحاوره قبل أن تعتمد التقرير وتشاركه مع جميع أصحاب العلاقة
المصادر
[1] Design-driven Feedback by Max Israel