الأبحاث التسويقية والمؤشرات

الحوافز كوسيلة لرفع نسبة الاستجابة

نُشر في ٢٨ يناير ٢٠١٦ 6 دقائق قراءة

تمهيد

من أكبر التحديات التي تواجهها وكالات الأبحاث التسويقية حول العالم هو تحد الوصول إلى الفئة المستهدفة لإجراء المقابلات معهم، وذلك إما لقلة عددهم ضمن مجتمع معين أو لضيق وقتهم، أذكر ذات يوم أننا أمضينا ستة أشهر لمقابلة مائة شخص متخصصين في إدارة أساطيل المركبات .. لم يكن عددهم كبير ولم يتوفر لدى الموجودين منهم الوقت، بينما كانت الخطة الفعلية من الوكالة المنفذة للبحث أن تنهي 400 مقابلة خلال شهرين، فهل الحافز كان الحل الأفضل لضمان تحقيق العدد المستهدف من المقابلات؟ مقالي لهذا اليوم سيكون عن هذا الموضوع، بداية موضح أن هناك مدرستين (رأيين متناقضتين) بالنسبة لجانب تقديم الحوافز، أحدها يؤيد ذلك ويكاد لا ينفذ أي بحث دون رصد ميزانية خاصة بالحوافز، وأصحاب المدرسة الأخرى ضد ذلك تماما ووجدوا بدائلا مهنية تحل محل الحوافز

ما هي الحوافز الحوافز في صناعة الأبحاث التسويقية تمثل المكافئة التي يتم منحها للفئة المستهدفة مقابل وقتها الذي تمنحه من أجل المشاركة في بحث تسويقي معين

تأتي الحوافز على عدة أشكال مادية وعينية المادية: مبالغ مادية أو قسائم شرائية، دعوة عشاء أو غداء، بطاقات إعادة شحن العينية: هدايا كأقلام، عطور، سبح وهناك طرق أخرى مثل إجراء سحب على جمهور المشاركين، أو مثل التبرع بمبلغ معين لجمعية خيرية معنية عن كل استبيان يتم إنهاءه أو كما ترون في صورة غلاف المقال … ساندوتش دجاج مجاني

رأي أصحاب المدرسة المعارضة

هؤلاء يرون بأن المجيب يشارك بالدراسة بدون مقابل لعدة أسباب منها أن المجيب يعتقد بأن مشاركته ستساعد بشكل أو بآخر على تحسين مستوى الخدمة أو تحسين جودة المنتج أن المجيب يرى بأن المشاركة في المجتمعات الأكثر تحضرا أمر طبيعي جدا لا يحتاج إلى مقابل في حالات معينة يشعر المجيب بالإطراء حينما يجد من يبحث عن رأيه بمنتج أو خدمة معينة في حالات معينة يظن المجيب بأن الشخص الذي يقابله ذا شأن ويجب عليه أن يتجاوب معه أن المجيب مهتم بموضوع الدراسة ولديه معرفة أو خبرة به ولهذا يريد أن يبدي رأيه، فالحافز ليس كل شيء فأنا شخصيا مستعد لإمضاء أكثر من ساعتين للمشاركة في بحث تسويقي إن كان الموضوع يهمني أو كان لدي معرفة أو خبرة فيه

ويعتقدون كذلك أن الحوافز سبب رئيسي لتشويه النتائج لأنها ستصبح دافعا للمشاركين بأن يشاركوا لمجرد الحصول على الحافز الممنوح مقابل المشاركة … وذلك ينطبق تحديدا على الأبحاث النوعية (الوصفية) التي تأخذ من وقت المستهدف على أقل تقدير ساعة فيكون الحافز المقدم بها مرتفع نسبيا ومغري، وبالرغم من أن كلامهم صحيح إلا أن من واجب الوكالة التشديد على آليات التجنيد لاستعباد هذه الفئة من المجيبين الذين لم يأتوا إلا من أجل الحافز وهم غالبا تلك الفئة التي تدور على جميع وكالات الأبحاث ليغطوا مقاعدا ناقصة في مجموعات التركيز في اللحظة الأخيرة، تحدثت عنهم في مقال سابق… برأيي الشخصي أن يبقى المقعد فارغا خير من أن يشغره مجيب خبير قد شارك في عشرات الأبحاث سابقا … والفكرة من استبعاده ليس لأنه خبير أو لأنه يرغب بالحافز فقط بل لأن مواصفات الفئة المستهدفة لا تنطبق عليه أساسا

وأصحاب هذه المدرسة لا يمانعون من تقديم مقابل على أن يكون غير مادي بادئ ذي بدء ومن ثم أن لا يكون محفزا إلا لمن سيجيب بأمانة على الاستبيان، كمثال الاستبيانات التي تتعلق بجوانب عملية معينة، يتم تقديم وعد للمشارك بمشاركة النتائج الرئيسية الخاصة بهذه الدراسة مع المجيب فور انتهائها، مثال آخر أعجبني جدا في إحدى دراسات اختبار المفهوم لمنتج جديد لم يطرح بالأسواق بعد قدم صاحب البحث فكرة منح المشاركين خصم على المنتج فور طرحه بالأسواق، ذلك الذي يبحث عن الفائدة السريعة والذي يشارك فقط من أجل الحافز لن يشده هذا الحافز إن لم يكن مهتما بمفهوم المنتج

رأي أصحاب المدرسة المؤيدة

أصحاب المدرسة المؤيدة كذلك لديهم بعض الحجج المنطقية، وخصيصا في جانب أبحاث المنظمات أو الحكومة B2B Research or B2G Research وحجتهم الرئيسية بأن بعض الأشخاص المستهدفين يمكن أن يصنعوا خلال ساعة من وقتهم ثروة فلماذا يجب عليهم أن يضيعوها مع الباحث الميداني، المسألة هنا بحد وصفهم أن الحافز الذي سيعطى لهم قد لا يشكل أي قيمة مادية بالنسبة لهم وإنما قيمته رمزية، كالدروع التي يوزعونها مثلا في حفل خيري على رجل أعمال مليونير … الدرع لا يشكل شيء بالنسبة له ولكن له قيمة رمزية وارتباط شعوري بفعل الخير ولن يكون لاحقا أكثر من ذكرى، أصحاب هذه المدرسة نصحوا بوضع معايير وسياسات واضحة للباحثين عن آلية التعامل مع الحوافز تتعلق ب متى وأين وكيف يمكن تقديم الحافز، وتقديم توضيح لفظي عن سبب منح هذا الحافز، التأكيد على أن المجيب يمكنه عدم إتمام المقابلة ومع ذلك سيبقى مستحقا للحافز، الانتباه ما إذا كان المجيب يشارك فقط من أجل الحصول على الحافز وذلك من أجل استبعاد مشاركته لاحقا إذا ثبت أن مشارك فقط من أجل الحافز

على هذا الرابط تجد مثالا عن بحث معنون بـ : أخلاقيات الدفع للمشاركين الأطفال في الأبحاث (بالانجليزية) تجدوه هنا ، أصحاب هذه المدرسة يرون بأنه لا يمكن في هذا الزمان أن تحصل على شيء من دوق مقابل ولذلك لابد أن يكون هناك مكافئة مقابل الوقت الذي سيمنحك إياه المجيب المستهدف

تعقيب على رأي المدرستين

الحديث أعلاه كان يتعلق بأساليب جميع البيانات التي تتم من خلال المقابلات وجها لوجه وتحديدا الكمي منها الذي لن يأخذ من وقت المجيب الكثير، وأي استبيان لا يستهلك من وقت العميل أكثر من ربع ساعة لا يتطلب حافز برأيي الشخصي لأن الموضوع يمكن أن يتحول إلى ثقافة إذا ما تم منح كل المشاركين لا على التعيين حافزا وخصوصا إذا انتشرت ممارسات صناعة الأبحاث في بلد ما وعرفوها الناس، فإذا عودت وكالات الأبحاث المشاركين على الحصول على حوافز مادية أو عينية مقابل مشاركتهم ستصبح مشاركتهم بدون حوافز مستقبلا أكثر صعوبة

أما المقابلات التي تزيد مدتها عن ربع ساعة، فيجب وضع فكرة الحافز لها في عين الاعتبار وبحسب نوعية الفئة المستهدفة يكون الحافز، أما الوضع في الأبحاث التي تتم عن طريق البريد الالكتروني (والتي كانت بالبريد العادي سابقا) فهي تتطلب وضع حافز رمزي بإجماع جمهور الباحثين، ففي إحدى الدراسات التي أجريت في بريطانيا على قاعدة بيانات لمشتركين في موقع أبحاث برسل لهم الاستبيانات بشكل دوري عن طريق البريد الالكتروني، سألوهم هذه المرة عن الأهمية التي تشكلها المشاركة لهم فكانت 43% من جوانب الأهمية تتعلق بالحوافز ذات العلاقة بالمشاركة، أما بقية الأسباب فكانت كالتالي: 17% يحبون المشاركة في الاستبيانات، 17% يريدن أصواتهم أن تسمع من قبل أصحاب القرار، 15% يدفعهم الفضول والرغبة بالاستكشاف، 4 % وجدوا أن موضوع المشاركة مهم بالنسبة لهم، طبعا هذه النتائج لا تعمم على بقية الدول فلو أجري نفس البحث في دول أخرى ستختلف النتائج بسبب اختلاف الثقافات وهنا يأتي دور وكالات الأبحاث في إجراء أنواع شبيهة بهذا البحث لمعرفة التوجهات واستغلال مواردها المالية على أكمل وجه

الخاتمة

في بداية المقال ضربت مثالا لدفع القارئ إلى التفكير، بالحقيقة عدم تقديم الوكالة لحافز في المثال المذكور ليس هو السبب الوحيد لعدم نجاحها بالوصول إلى العينة المستهدفة ضمن المدة الزمنية التي تم تحديدها مسبقا، بل يدخل في ذلك عدة عوامل قد يتعلق بعضها بسوء التخطيط، وكذلك بنوعية الباحثين الذين نفذوا الدراسة وبمستوى مهاراتهم الشخصية المتدنية بحيث لا يقدم الباحث أي سبب للمستهدف لكي يتعاون معه …ولكن فيما لو سألتني أخي القارئ فيما لو كان وضع الحافز في هذه الدراسة سيزيد من نسبة الاستجابة ويسرع من إنهاء المشروع فالإجابة حتما لا مع اعتبار أن يكون الحافز مغريا

الحافز بالنهاية مطلوب بحالات معينة ويجب أن يتم تقديمه بحسب نوع البحث ونوع الفئة المستهدفة ولكن مهارة الباحث التسويقي تكمن في معرفة متى وأين وكيف يمكن تقديم حافز معين ومتى لا يوجد هناك حاجة له، فهل كانت فكرة الساندوتش المجاني جيدة؟ هي إبداعية ولكن لا يمكن البت بجدواها إلا من أصحاب البحث أنفسهم، ويا معشر القراء شاركونا برأيكم فضلا لا أمرا هذا والله أعلم وعلى الله قصد السبيل