مهنة أبحاث السوق
تمهيد
في هذا المقال أضع بين أيديكم وصفا مختصرا عن مهنة أبحاث السوق وهو ليس تفريغا نصيا للمقطع أعلاه وإنما سأحاول تقديم المزيد من التفاصيل فيه للراغبين بالعمل بهذا المجال المشوق مع التنبيه بداية إلى أن مقالي سيركز على تخصص الأبحاث الكمية وليس النوعية، ورغم أن هناك تشابه بينهما من حيث السمات المطلوب توفرها إلا أن هناك بعض الفروقات الجوهرية تحتم علي التنبيه إلى ذلك في بداية مقالي وهي دعوة لزملاء المهنة من أصحاب تخصص الأبحاث النوعية إلى كتابة شيئ مشابه لكي أضيف رابط الوصول إليه ضمن نفس هذا المقال
ما المهام التي يقوم بها باحث السوق كل يوم؟
تتلخص مهامنا اليومية بطلبات معلومات، سواء شركة أو إدارة داخلية ستحتاج إلى معلومات من أجل اتخاذ قرار معين أو من أجل اكتشاف فرصة معينة أو من أجل حل مشكلة قائمة، مهامنا تبدأ برصد متطلبات البحث، ثم وضع المنهجية البحثية الأمثل التي ستحقق أهداف البحث وبعد ذلك نحدد إطار العينة أو الفئة المستهدفة بالبحث -بلغة أبسط-، ثم نحدد منهجية التعيين (طريقة الوصول لهذه الفئة المستهدفة) وأخيرا طريقة جمع البيانات (كيف سيتم الحصول على الإجابات، هل عبر مقابلة وجها لوجه أم عبر الهاتف أم البريد الالكتروني … الخ) ، ثم يبدأ المشروع البحثي ويتم تنفيذه إما من خلالنا أو من خلال طرف ثالث، ثم بعد إدخال البيانات تصلنا على شكل الكتروني ونسميها بالبيانات الخام، لأننا سنقوم بتحليلها وجلعها ذات معنى فلو اعتبرنا أن البيانات التي تصلنا كالنفط المستخرج من الأرض، نحن نقوم على تحليله باستخدام مهارات وأدوات معينة لنصدر منها أشياء قابلة للاستخدام، في حالة البيانات نحن نكررها ونحللها لنستخرج المعلومات المفيدة وننمذج هذه المعلومات برسوم بيانية تسهل على الجهة الطالبة للبحث التعامل مع هذه المخرجات بسلاسة، وتنتهي مهمتنا بعرض النتائج والإجابة على تساؤلات طالب البحث وربما نساعده في وضع النتائج في حيز خطة أفعال تنفيذية
ما هو الشيء الذي يحفزني شخصيا ويمتعني في هذا المجال؟
يقول المثل المعرفة قوة، وهذا العصر عصر المعلومات، العامل في هذا المجال يمتلك المهارات والأداوت المناسبة التي تمكنه من الوصول لهذه المعرفة بسرعة أكبر من غيره وبهذا يصبح في موقف قوة، وهذا شيء ممتع. لأنه في هذا المجال يمكن أن تصنع لنفسك علامة شخصية، فالناس ستتعامل معك يوما ما لشخصك لا لأجل الشركة التي تعمل بها وأينما توجهت سيتبعك جمهور العملاء الذين يقدرون مهارتك وكفاءتك، لأنك ستستمتع بسبر أغوار المجهول، المغامرة الممتعة التي ستكتشف من خلالها أشياء لا تخطر بالبال أشياء لم تكن حتى في قائمة الاحتمال لديك أو لدى عميلك، أشياء قد تغير العالم من حولك للأفضل ستشعر بالقيمة لأنك تصنع شئ له قيمة وتأثير
يضيف عبدالرحمن الخريف والذي يعمل في هذا المجال من عام 2003 وحتى الآن على هذا السؤال: عملت في العديد من شركات الأبحاث التسويقية في جانب العمل الميداني حتى عام 2015 و جانب تحليل الأبحاث منذ 2015 وحتى الآن، واستمراري في هذا المجال نابع من كون أن العمل في الابحاث التسويقة فريد من نوعه وهو غير روتيني ويوجد فيه الكثير من المحفزات المعنوية والمادية والتحديات واكتساب مهارات، ولكون أن العاملين العرب في هذا المجال قلة فذلك سيجعل منك عملة نادرة، هذا المجال أضاف الكثير لي وأكسبني معرفة في معظم المجالات- فضلا عن قاعدة معارف وعلاقات كثيرة ولا ننسى بالنهاية المردود المادي الجيد
هل تحتاج هذه المهنة إلى سمات شخصية وقدرات محددة للتميز فيها؟
نعم بالتأكيد، الفضول، حب الاطلاع، حب تنمية المعرفة والقراءة، الصبر
الفضول وحب الاطلاع لدرجة أن تصبح متمكنا من فهم طبيعة أعمال عملاءك أكثر من فهمهم له هم أنفسهم
أن يتوفر لدى الشخص قدرات تحليل عالية لأن سيتعامل مع كمية هائلة من البيانات الخام سواء بيانات كمية وبيانات نوعية ليستقرأ منها رؤى وتوصيات فعالة وقابلة للوضع في حيز التنفيذ
أن يكون قادرا على أن يكون محايدا متجردا من كل قناعاته ومبتعدا عن أي تحيز سواء أثناء جمع المعلومات أو أثناء إجراء المقابلات الشخصية أو أثناء تحليل للبيانات ووضعه للنتائج
أن تكون مستمعا جيدا، تنصط لاحتياجات طالب البحث ولا تتحدث إلا عندما تكتمل الصورة
يمكن أن تكون هذه الوظيفة ملائمة للانطوائين لأن عملية إعداد التقرير البحثي تكون عادة بمجهود فردي عظيم وجلد على الاستمرار لكي لا تنقطع سلسلة الأفكار وهذا النوع من الجلد قد لا يتوفر إلا لدى الانطوائيين، ولكن عليك أن تطور مهارات التواصل لديك ومهارات الخطابة، فمهما كان المحتوى الذي تقدمه متميزا فطريقة التقديم والعرض إن كان غير جيدة ستنسف كل مجهوداتك السابقة
،يضيف عبدالرحمن الخريف: المتميزون في هذا المجال قليلون جدا، أضيف على ما ذكرت أن الشخص الذي يعمل في هذا المجال يجب أن يكون قادرا على اكتساب ثقة الاخرين، شخص يتحمل المسؤولية يستطيع اكتساب مهارات جديدة كل يوم ويطورها
يضيف خالد سعيد الذي يمتلك من الخبرة في هذا المجال ثمان سنوات: إذا كنت تريد الانضام الي فريق الابحاث الكمية فهذا يعني أنك يجب أن تكون جيدا في قراءة وتحليل الأرقام والبيانات ولديك خلفية إحصائية جيدة هذا بالاضافة إلي مهارات الاتصال والتعامل مع العميل لفهم ماهية ونوع الاحتياج الذي لديه. أما فيما يتعلق بالابحاث الكيفية (النوعية) فهذا يعتمد علي مهارات أخرى مثل لغة التحاور مع المجيبين وقراءة النصوص المتعلقة بإجاباتهم واستخراج تقارير ذات معنى وفائدة كبيرة للعميل
الشركات التي تحرص على توظيف من يحمل هذا المسمى الوظيفي؟
هناك نوعين من الفرص المتاحة، في الوكالات (الجهة المقدمة للخدمة) في شركات (الجهة الطالبة للخدمة) بالنسبة للوكالات هنالك العديد من الوكالات المحلية والعالمية التي تقدم خدمة تنفيذ الأبحاث التسويقية لعدة جهات طالبة لهذه الخدمة، ويوجد في السعودية حاليا أكثر من أربعين وكالة، وأنصح كل الراغبين على المضي قدما في هذا المجال أن يبدأوا مسارهم المهني في إحدى الوكالات لأنها هي المصنع الحقيقي لأي باحث مخضرم ولاحقا وبعد أن يشعر الشخص أنه حصل على ما يكفي من المعرفة التي تؤهله للعمل في إحدى الشركات التي تطلب هذه الخدمة يمكنه حينها التقدم للعمل لديها والتي غالبا ما يتوفر ضمن الشركة قسم لأبحاث التسويق يتبع لإدارة التسويق أو في بعض الأحيان للرئيس التنفيذي لضمان عدم تأثره بأي هرمية إدارية وبالنسبة للشركات الطالبة لخدمة بحوث التسويق في تقع ضمن صناعات متعددة لأن عصرنا هذا هو عصر المعلومات وجميع الصناعات بحاجة إلى المعلومات من أجل اتخاذ قرارات ذكية تساعدها على النمو والاستحواذ على حصة سوقية أكبر في ظل المنافسة الشرسة، بشكل عام قد تكون أكثر الصناعات طلبا لهذه الخدمة هي صناعة الـ
(FMCG)
المتمثلة بشركات -على سبيل المثال لا الحصر- مثل يونيليفر بروتيكت أند جامبل، المراعي، الصافي، نادك، صافولا … الخ
يضيف عبدالرحمن الخريف: جميع الشركات الكبيرة تحتاج لوجود شخص مختص بهذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر: (أرامكو، سابك، الاتصالات السعودية، شركة الكهرباء، قطاع البنوك والاتصالات) هذا بما يخص القطاع الخاص كما يحتاج القطاع الحكومي لهذا المسمى ليواكب القطاع الحكومي رؤية 2030 ومن بعض الهيئات الحكومية التي تحضر في بالي مركز ماس للأبحاث التابع لهيئة السياحة، وزارة العمل، وزارة الاقتصاد والتخطيط، وزارة التجارة، هيئة الغذاء والدواء والكثير من الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى
يضيف خالد سعيد: هناك شركات متخصصة في مجالات معينة مثل شركات الرعاية الصحية (المجال الطبي) مثل أي أم أس هيلث (والتي أعمل بها الان) وكانتار هيلث، وهذه عادة ما تستقطب خريجي قسم الصيدلة أو الطب لتركيز أبحاثها على المجال الطبي
ما التخصصات الجامعية التي تساعد الشخص على الانخراط بسرعة في هذه المهنة؟
في الواقع العاملين في هذا المجال يحملون تشكيلة متنوعة من الشهادات الجامعية ولكنهم حصلوا على بعض المواد العلمية أو الخبرة العملية والتي أهلتهم للدخول في هذا المجال، أنا على سبيل المثال خريج نظم معلومات إدارية، إلا أن هناك تخصصات قد تساعد الشخص على الارتقاء المهني السريع فيما لو بدأ العمل في هذا المجال، ومن هذه التخصصات الإحصاء، أساليب كمية، علم النفس، التسويق، إدارة الأعمال ورغم ظهور تخصص بكالورويس في أبحاث التسويق وكذلك الماجستير في بعض الدول المتقدمة إلا أنه ليس شرط أساسي للدخول إلى هذا المجال، لعل توفر المهارات التي تحدثنا عنها في السابق أهم من التخصص نفسه، ولكن لاحقا يمكن أن أشبهه هذه المهنة بالطب من حيث تنوع التخصصات فبعض بضع سنوات من الخبرة يفضل بعض العاملين في هذا المجال أن يتخصصوا في مجال دقيق جدا من الأبحاث التسويقية وبذلك قد تجد بعض الاختصاصات المساندة التي تساعدك أن تكون متميزا في مجال معين ضمن مجالات الأبحاث التسويقية المتنوعة.
ما الشهادات الاحترافية التي تساعد الشخص على الانخراط بسرعة في هذه المهنة؟
بالنسبة للشهادات الاحترافية، للأسف لا يوجد إطار معرفي متكامل كما هو الحال في مجال إدارة المشاريع، وهناك العديد من الدورات كلها باللغة الانجليزية وذلك لشح المحتوى المعرفي عن هذه المهنة باللغة العربية، أنصح بالدورات التالية والتي كنت قد كتبت فيها مقال ونشرته على موقع لنكدإن، أذكر أدناه أهمها من وجهة نظرة شخصية
-
Principle of marketing research certificate program – University of Georgia
-
MRS certificate in market research & social media research, Advance certificate
-
MRA certificate in quantitative/qualitative research principles
على موقع المنظمة الأوروبية لأبحاث السوق والرأي ESOMAR يوجد بعض الدورات أيضا ولا ننسى منصات التعليم المجانية مثل كورسيرا حيث يتوفر بها العديد من الدورات المجانية عن هذا المجال
ما الفرق بين هذه المهنة ومهنة التسويق؟
العاملين بهذه المهنة يدعمون إدارة التسويق بشكل رئيسي من حيث تزوديهم بمعلومات تساعدهم على اتخاذ قرارات بما يتعلق بالمزيج التسويقي ولذلك في حالات عديدة تكون وحدة أبحاث التسويق تابعة لإدارة التسويق في العديد من الشركات
يوفرون المعلومات أيضا لإدارة أخرى من بينها إدارة الاستراتيجية والتي تحتاج لمعلومات عامة عن وضع السوق من أجل فهمه وعلى ضوء هذا الفهم يتم وضع استراتيجيات قصيرة الأمد أو طويلة الأمد أو يتم التعديل على بعض الخطط الاستراتيجية بحسب التغيرات التي حدثت للسوق التي تعمل به الشركة
يضيف خالد سعيد: ليس هناك تعارض بين الاثنين، ولكن دائما وأبدا الابحاث التسويقية تكون الخطوة الأولي لدراسة السوق والمنتجات قبل بدأ أي خطة تسويق، لذلك فإن الأبحاث التسويقية داعم قوي للتسويق
ماذا عن حاجة سوق العمل إلى هذه المهنة في الوقت الحالي؟
هناك شح شديد في الكفاءات العربية في هذا المجال (أتحدث عن الخليج العربي) ومعظم العاملين به من جنسيات شرق آسيوية أو غربية وهذا سلبي لأنهم لا يمتلكون الفهم الجيد للثقافة المحلية وذلك أمر يحتاجه أي باحث في سبيل استقراء أفضل للبيانات واستنتاج أفضل للتوصيات، ولذلك الشخص الذي يتحدث اللغتين العربية والانجليزية وكذلك يفهم ثقافة أهل البلد تتقاتل عليه الشركات التي تدرك أهمية هذه النقطة، وبناء على ذلك أنا أعد كل شخص يعمل في هذا المجال أن يكتب من سنوات الخبرة خمس سنوات فقط وبعضها سيجد العروض تنهال عليه من كل مكان.
يضيف خالد سعيد: برأيي الشخصي إن هذا المجال في تقدم وازدهار مقارنة بالأمس وذلك لأن الاحتياج لفهم السوق هو العامل الاساسي لبناء وبقاء بعض الشركات من خلال ما يدعي الذكاء الأولي
primary intelligence
وهو الأسم الاخر للابحاث التسويقية
في الختام
أتمنى أن أكون قد أوجزت دون أن أضيع المعنى وأن أكون قد أفدتكم، تعليقاتكم وانتقاداتكم محل ترحيب، ولمن يرغب بالسؤال عبر الرسائل الخاصة فأهلا ومرحبا، وأشكر عبدالرحمن وخالد على إضافتهم التي أثرت المقال