شركات ناشئة بعقلية متمحورة حول العميل
تمهيد
في إحدى الأمسيات، كنت أحتسي الشاي مع صديق لي -مؤسّس لشركة ناشئة- لا يتجاوز عدد فريقها أصابع اليدين. كان يتحدّث بحماس عن إيمانه المطلق بمبادئ تجربة العميل، وكيف يرى أن نجاح منتجه مرهون بمدى قدرتها على كسب القلوب قبل الأموال. لكن وسط هذا الحماس، كان هناك حاجز واحد يفرض نفسه على الطاولة: لا ميزانية كافية لتوظيف خبير متخصص بتجربة العميل بدوام كامل أو حتى بدوام جزئي
فهل يعني هذا أن عليه تأجيل تطبيق مبادئ تجربة العميل حتى تكبر شركته؟ سألني وهو ينظر إليّ وكأنه يبحث عن إجابة تنقذه من هذا المأزق. ابتسمت، وشاركته إجابة مختصرة بأن الطريق إلى تجربة عميل استثنائية لا يبدأ بقسم أو موظف بدوام كامل… بل يبدأ بعقلية، وخطوات بسيطة، يمكن تنفيذها حتى بفريق شركة من خمسة أشخاص فقط، ثم طلبت منه بعض الوقت لأرتب أفكاري وأعطيه إجابة مفصلة
في هذا المقال أجيب على تساؤله، فإن جذبك السؤال وأردت معرفة الإجابة … استمر بالقراءة
القدوة بالمثال
توني شيه، مؤسس زابوس، قاد شركته بثقافة متمحورة حول العميل لدرجة أنه طوال عشر سنوات قبل استحواذ أمازون لم يضطر لتأسيس إدارة مستقلة لتجربة العميل. فالثقافة التي بدأها بنفسه جعلت كل فرد في الفريق يعيش التجربة ويخدم العميل كجزء من عمله اليومي، دون انتظار تعليمات أو سياسات أو إجراءات
إذا أردت أن يكون العميل حاضرا في عقل وقلب كل عضو في الفريق: تذكّر أن فريقك يراقبك باستمرار، ويتعلّم من كلماتك وتصرفاتك أكثر مما يتعلّم من أي دليل أو لائحة. عندما تضع العميل في صميم نقاشاتك وقراراتك، وتُظهر بوضوح أن ما يهمك هو أثر العمل على تجربته، سيبدأ الجميع بمحاكاة سلوكك وتبنّيه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات الفردية إلى نسيج راسخ في ثقافة الشركة، لتصبح خدمة العميل مسؤولية جماعية وطبيعية، لا مهمة مفروضة
ولتثبيت هذه الثقافة عمليًا، يمكن أن تصبح مشاكل العميل وتحدياته بندًا ثابتًا في أجندة الاجتماعات الدورية للفريق، سواء كانت اجتماعات أسبوعية أو شهرية. في هذا البند، يناقش الفريق حالات حقيقية واجهها العملاء، وما الذي سبّب المشكلة، وكيف كان تفاعل الفريق معها، وما التغييرات أو التحسينات التي يمكن إدخالها لتجنب تكرارها. يمكن أيضًا استعراض قصص نجاح صغيرة، حيث تم حل مشكلة عميل بطريقة مبتكرة أو سريعة، ليصبح ذلك مصدر إلهام للآخرين.
فهم العميل
إذا كنا نتفق ضمنيا بأننا نبتكر الخدمات أو المنتجات من أجل العميل ولا نختلف بأن نموذج عملنا واستدامة أرباحنا سترتبط بمدى نجاح خدماتنا أو منتجاتنا في تلبية احتياجات عملائنا أو معالجة تحدياتهم فلماذا لا نسعى جاهدين أن نجعل من عملية فهم عملائنا (عادة مستمرة) ضمن جداول أعمالنا؟
يقع العديد من المؤسسين في فخ الافتراض (أنا أعتقد أن العميل …)! إذا أردت أن تفهم عميلك جيدا، عليك أن تقتنع أولا أنك لست العميل وأنك لا تمثله ولا تفهم كيف يفكر أو كيف يتصرف حتى لو كنت أنت نفسك صاحب المشكلة التي تحاول حلها … تخلى عن غرورك وتجرد من قناعاتك ولا تفترض شيئا بالنيابة عن العميل لأنك ستكون قدوة لكل من يعمل معك
كل ما تحتاجه لفهم عميلك هو بناء عادة أسبوعية للاستكتشاف لسبر احتياجات الفئة المستهدفة وتحدياتهم التي تؤرقهم ولم يجدوا لها حلول بديلة، وذلك من خلال المقابلات والاختبارات، لربط قرارات تطوير منتجك بقيمة حقيقية للعميل وقيمة تجارية للشركة. المسألة ليست معقدة وليس بالضرورة أن تكون باحث مخضرم لإجراء هذه المقابلات لأنها مهارة ستتطور معك بالممارسة، أهم ما في عملية الاستكشاف أن يكون تركيزك على مساحة المشكلة لا مساحة الحل! في مرحلة التأسيس اجعل كل تركيزك على بلورة المشكلة بوضوح لأن كل ما ستبنيه لاحقا يعتمد على هذه النقطة الحساسة التي تختصر عليك شهورا من العمل التي يحتمل أن تضيع هباءً إذا كنت تعالج مشكلة خيالية نسجها عقلك ولم تكن مشكلة حقيقة يواجهها عملاؤك المستهدفون.
إذا تبلورت عندك المشكلة يمكنك أن تحافظ على مجموعة من العملاء المؤمنة بفكرتك وتجتمع معهم بشكل دوري لتباحث تطورات المنتج واستشارتهم بخارطة الطريق، ما يعرف بممارسة مجلس العملاء الاستشاري وعليك أن تتفاعل معهم بشكل مستمر وتمنحهم حافزاً يشجعهم على الاستمرار معك، على سبيل المثال: اشتراك مجاني في الخدمة مدى الحياة
رحلة العميل
الجميع سمع بفكرة أن تجعل العميل في صلب قراراتك لكن قلة التي أتقنت تطبيق ذلك، في البداية دعني أخبرك بأنك تتخذ مئات القرارت يوميا ومن البديهي أنه يستحيل عليك أن تفكر في العميل قبل كل قرار لكن سأقترح عليك بديلا جيدا، قم برسم خريطة رحلة عميل (تخيلية) وشمولية تشمل جميع المراحل التي سيمر بها العميل ليس في استخدام الخدمة/المنتج وحسب بل ما يحدث ما قبل ذلك وما بعد ذلك ومن ثم وبشكل أسبوعي قم بتعديلها لتصبح حقيقة بناء على الحقائق التي تجمعها من العادة السابقة
النصيحة هنا أن تتجنب الفجوة الشائعة التي تحدث بين ما يواجهه العميل على أرض الواقع وبين ما تظن/تفترض أنك تقدمه لعميلك، عليك وعلى جميع أفراد الشركة أن ينظروا لما يقدموه بشكل شمولي وليست مراحل منعزلة فهذا سيساعدهم على التأكد من أن التجربة متسقة وسلسة في جميع المراحل وعبر جميع نقاط التفاعل
ℹ️ أداة رحلة العميل غير مألوفة لك؟ شاهد هذاالفيديو لتشكل فكرة واضحة عنها
قياس التجارب
ليس من الحكمة في المراحل الأولى أن تنغمس في القياسات الكمية أو أن تغرق العملاء باستطلاعات الرأي، فمعظم الناس أصبحوا يتجاهلونها عمدًا. في هذه الفترة، يجب أن يتركز جهدك على أمر واحد وجوهري: التأكد من أن مساحة الحل التي تقدمها، سواء كانت خدمة أو منتجًا تعالج بالفعل مشكلة أو تحديًا حقيقيًا يواجه الفئة المستهدفة، وتلبي توقعاتهم، وأنهم مستعدون لدفع المال للحصول عليها. في هذه المرحلة، تبقى البيانات النوعية أهم بكثير من البيانات الكمية، لأنها تمنحك فهمًا أعمق لدوافع العملاء وسلوكياتهم.
تجنب الهوس بالأرقام أو ما يمكن تسميته بـ”عبادة الكم”. لا تنشغل الآن بمؤشرات مثل معدلات الرضا أو الولاء، ولا تركّز على زيادة عدد الزوار أو مدة بقائهم في موقعك. الأهم أن تساعد العملاء في العثور على ما يحتاجونه بسهولة، وأن تقدّم لهم قيمة حقيقية تحل مشاكلهم. فتقديرك لوقتهم واحترامك لعقولهم هو ما يضمن لك النجاح المستدام، لا الإبهار الزائف أو المحتوى المكرر والفارغ.
وفي هذه المرحلة المبكرة، من المهم أن تبدأ بالتفكير في المؤشرات التشغيلية التي يمكنها عكس حالة التجربة دون الحاجة للتواصل المباشر مع العملاء. والمقصود هنا أن تعمل على بناء البنية التحتية للبيانات بشكل صحيح من البداية، بحيث تُمكّنك لاحقًا من قياس مؤشرات التجربة بدقة وسهولة. هذا الاستثمار المبكر في تأسيس نظام قياس وتشغيل فعّال سيختصر عليك الكثير من الوقت والموارد مستقبلًا، ويمنحك رؤية مستمرة لحالة التجربة دون الحاجة للاعتماد الكلّي على الاستطلاعات أو التواصل المباشر مع العملاء
تصميم وتحسين التجارب
العملية هنا تشبه تمامًا دورة حياة مستمرة لا تتوقف. تبدأ أولًا بفهم مساحة المشكلة بدقة، ثم الانتقال إلى وضع مساحة للحل، وهذا ما يمكن اعتباره جانب التصميم. بعد ذلك، تبدأ مرحلة التحقق من سلامة وفعالية هذا الحل مع العملاء من خلال الاختبارات والتجربة الفعلية. بمجرد التأكد من نقاط القوة والضعف، تنتقل إلى مرحلة التحسين وإجراء التعديلات اللازمة.
ومع التزامك بالعادة الأسبوعية لفهم العملاء، تعود مجددًا لتضيف المزيد من المزايا والخصائص إلى الحل، أي أنك تدخل مرة أخرى في مرحلة التصميم، ثم تختبر هذه الإضافات مع العملاء، لتدخل مرة أخرى في دائرة التحسين. وبين الحين والآخر، قد تلاحظ انخفاضًا في بعض المؤشرات التشغيلية، ما يستدعي البحث عن السبب الجذري لهذه التغيرات والعمل على معالجته، وهو ما قد يتطلب تصميم حل جديد أو تحسين الحل الحالي. كذلك، قد تصلك شكاوى من العملاء تتعلق بصعوبات في الاستخدام، فتقوم بإعادة تصميم بعض الأجزاء أو تحسين تصميمها، لتظل العملية في حالة حركة دائمة لا تتوقف
لكن انتبه من الوقوع في فخ المنتج ذو الحد الأدنى من المقومات. فالمشكلة ليست في المفهوم نفسه، بل في سوء تطبيقه. صحيح أنك لا تحتاج إلى استثمار مبالغ كبيرة في الإصدار الأول من منتجك أو إحدى مزاياه، لكن الخطأ الفادح هو أن تنسى تمامًا أن هذا المنتج المبدئي يحتاج إلى تطوير لاحق. ومع ازدحام الأولويات، قد لا تأتي المرحلة الثانية من تطويره على الإطلاق، فيبقى المنتج أو الميزة في وضعها الناقص كنصف حل غير مكتمل، مما يضعف التجربة ويضر بالعميل على المدى البعيد.
نصيحتي هنا أن يكون لديك ملف مرجعي واضح لجميع مبادرات التحسين والتصميم، يكون هدفه الرئيسي هو المتابعة الدقيقة وعدم إغفال أي مبادرة عن غير عمد. راجع هذا الملف بشكل أسبوعي، وتأكد من ترتيب أولوياتك على أساس معايير واضحة تساعدك على تحديد ما يجب تنفيذه أولًا، وما يمكن تأجيله، بحيث تتمكن من موازنة تطوير مزايا جديدة مع استكمال تحسين المزايا أو المنتجات القائمة، بدل أن تتكدس المبادرات دون إتمامها.
رأس المال البشري
لا يمكن لشركة ناشئة، مهما كانت فكرتها مبتكرة أو منتجها مميز، أن تقدم تجربة عميل استثنائية إذا كانت تهمل موظفيها. في بيئة الفريق الصغير، كل موظف هو بمثابة خط الدفاع الأول، والسفير الحقيقي لثقافة الشركة أمام العميل. لذلك، فإن احترام وتقدير رأس المال البشري يعتبر ضرورة استراتيجية لبناء تجربة عميل ناجحة ومستدامة
في الشركات الناشئة، المؤسس أو الفريق المؤسس قد يرتكب خطأ شائعًا: البحث عن أشخاص “ينفذون الأوامر” بدل البحث عن أشخاص أذكى منهم وأقدر على رؤية ما قد لا يراه المؤسس نفسه. الفِرق العظيمة لا تُبنى من روبوتات بشرية، بل من أشخاص لديهم عقول ناقدة، وأفكار مبتكرة، وشغف بالمبادرة.
وظّف أشخاصًا أذكى منك، واستمع إليهم. لا تقيّدهم بقوائم مهام جامدة، ولا تغلق الباب أمام آرائهم لأنك “الفكرة” هي ابنتك المدللة. اجعل بيئة العمل مساحة آمنة للنقاش والتجربة، حيث يشعر كل فرد أن صوته مسموع وأن مساهمته تؤثر فعليًا في مستقبل الشركة. فالموظف الذي يُحترم رأيه ويُمنح مساحة للتأثير، سينقل هذا الإحساس بالتمكين إلى العميل في كل تفاعل.
وتذكر أن في الفريق الصغير، كل موظف يرتدي عدة قبعات ويلعب عدة أدوار. هذا التنوع في الأدوار فرصة ذهبية لبناء ثقافة مشتركة حيث يرى الجميع الصورة الكاملة، لا مجرد جزء منها، ويشعرون أنهم يشاركون في صناعة التجربة، لا فقط في تنفيذها.
الشركات الناشئة التي تحترم موظفيها، وتستثمر في تدريبهم، وتمنحهم الثقة، لا تحصل فقط على أداء أعلى، بل تبني ولاءً داخليًا ينعكس بشكل مباشر على ولاء العملاء. ببساطة، الموظف السعيد والُمحفَّز يصنع عميلًا سعيدًا ومخلصًا.
أي أنواع النمو أفضل؟
SLG OR PLG OR CLG | (Sales/Product/Customer)-Led Growth?
أيهما أفضل توجه في عملية النمو، هل النمو الذي تقوده المبيعات أم النمو الذي يقوده المنتج أم النمو الذي يقوده العميل؟
لا توجد وصفة سحرية تناسب جميع الشركات الناشئة. الطريقة الأنسب هي التي توازن بين سرعة وصول العميل للقيمة و بين تعقيد قرار الشراء. النمو الذي يقوده العميل هو كالعدسة التي يجب أن ترتديها دائمًا، حتى لا تنحرف عمّا يهم العميل. إذا وجدت أنك تنفق كثيرًا لاكتساب عميل جديد، فغالبًا منتجك لا يلبّي حاجات السوق ونفقاتك مجرد محاولة لسد هذه الفجوة.
في مرحلة الفكرة، قبل الوصول إلى ملاءمة المنتج مع السوق، اجعل النمو الذي يقوده العميل هو ما يجب أن تتبعه وهو ما فصلناه في هذا المقال. أضف إلى ذلك أسلوب النمو الذي يقوده المنتج بنسخة مصغّرة للتحقّق من سرعة الوصول للقيمة.
عند الانتقال إلى مرحلة الملاءمة المبكرة (أقل من 10 ملايين ريال إيرادات سنوية)، اجعل النمو الذي يقوده المنتج هو الأسلوب الافتراضي إذا كان المنتج يحقق القيمة سريعًا ولا يحتاج إلى تكاملات معقّدة، مع إضافة النمو الذي تقوده المبيعات للحسابات الكبيرة أو التي تحتاج إلى رعاية بشرية، مع المحافظة على أسلوب النمو الذي يقوده العميل كمرشد لخارطة الطريق.
وفي مرحلة التوسّع نحو الأسواق المتوسطة أو المؤسسات الكبرى، امزج بين النمو الذي يقوده المنتج من خلال الانضمام الذاتي، والنمو الذي تقوده المبيعات عبر التدخل البشري للتوسّع وإغلاق الصفقات، مع الحفاظ دائمًا على النمو الذي يقوده العميل كعدسة أساسية توجه ما تبنيه وكيف تقدمه
الخلاصة: يبقى النمو الذي يقوده العميل حاضرًا ويرافق الشركة الناشئة في جميع مراحلها، باعتباره البوصلة التي تمنعها من الانحراف عن ما يهم العميل فعلًا
في الختام
أعود إلى ذلك الحوار الذي كان الشرارة الأولى لكتابة هذه السطور. باختصار، لا تحتاج الشركة الناشئة لميزانية ضخمة أو فريق متخصص لتبدأ بتطبيق مبادئ تجربة العميل؛ كل ما تحتاجه هو عقلية يقودها المؤسّس بالقدوة، وعادة مستمرة لفهم العملاء وتحسين ما تقدمه لهم. ويبقى النمو الذي يقوده العميل هو البوصلة التي تحفظ الشركة من الانحراف عن احتياجات عملائها الحقيقية.
إلى صديقيأيمنعزت، الذي حمل همّ العميل في قلبه قبل أن يتسع فريقه أو تتسع ميزانيته… أهدي هذا المقال وأتمنى لك ولشركتك كل النجاح، وأن تبقى احتياجات العميل هي البوصلة التي تقودكم في كل مرحلة من رحلتكم. فالموارد قد تكبر مع الوقت، لكن العقلية المتمحورة حول العميل هي رأس المال الحقيقي التي يجب أن تستثمر بها كل الشركات منذ اليوم الأول
