تجربة العميل

تجربة ذوي الإعاقة

8 دقائق قراءة

قبل بضع سنوات، تم تشخيصي بمرض الديسك (الانزلاق الغضروفي) وكان لا يجدر بي حمل أي أوزان ثقيلة حتى لا تتفاقم حالتي، في تلك الآونة أثناء تسوقي بأحد متاجر المفروشات العالمية كنت بحاجة لتحميل منتج ثقيل الوزن من منطقة الخدمة الذاتية وشرحت حالتي لأحد الموظفين وتفاجئت بعدم اكتراثه وعذره الأقبح من ذنبه … المشاعر الناتجة عن نقطة التفاعل تلك كانت سلبية للغاية وبعيدا عن أن أني لن أنسى هذه التجربة السيئة، استمر معي التساؤل من ذلك الوقت وحتى الآن، ما هو حال تجربة ذوي الإعاقة

تمهيد

يصادف اليوم الثالث من ديسمبر لهذا العام، اليوم العالمي لذوي الإعاقة، وبهذه المناسبة أردت مشاركتكم بمقال توعوي عن هذه الفئة المهمة بالمجتمع التي تستحق أن تحظى بتجربة تليق بهم من جميع القطاعات والجهات، حكومية كانت أم خاصة

بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية (تقرير عام 2011) فإن نسبة الأشخاص الذين يمكن تصنيفهم تحت هذه الفئة في العالم لا تقل عن 15% من سكان العالم، كما أن هناك أكثر من 450 مليون شخص يعانون من اعتلالات عصبية أو عقلية! وهناك أكثر من 70 مليون شخص حول العالم يعاني من التوحد بحسب (Centers for Disease Control and Prevention ) في إحصائية نشرتها عام 2014 أي 1% من سكان العالم. آخر مسح سكاني في المملكة العربية السعودية خاص بذوي الإعاقة تم في عام 2017، يمكن الوصول لتقريره هنا

هذه الفئة تتفاعل مع المحيط حولها بطريقة مختلفة عن من أنعم الله عليهم بصحة جيدة، وإذا أردنا أن نقدم لهم تجربة عادلة فيجب علينا أن نرى العالم من منظورهم الشخصي كما يرونه هم وكما يتفاعلون هم معه، ونمارس (التقمص العاطفي) لنفهم التحديات التي يواجهونها ونصمم لهم خدمات أو منتجات تساعدهم على تجاوز العوائق المرتبطة بحالتهم، وتجعل استخدامها أو استهلاكها أسهل بالنسبة لهم

من هم ذوي الإعاقة

قبل أن نخدم أي فئة يجب أن يتوفر لدينا عنها تعريف عام واضح، الإعاقة حالة تصيب الإنسان منذ ولادته أو بعد ولادته وقد تكون الإعاقة مؤقتة أو دائمة تصاحب الشخص مدى الحياة. بعضها يبقى بنفس المستوى وبعضها يتفاقم ويتطور مع التقدم بالعمر. أما عن أنواعها فهي متعددة تشمل الإعاقات الحركية أو الحسية أو العقلية

كم من ذوي الإعاقة حرموا من حقهم في الحصول على الخدمات أو المنتجات وذلك لأن أصحاب القرار لم يضعوهم في عين الاعتبار لحظة تصميم خدماتهم أو منتجاتهم فؤلئك المسؤولين عن اتخاذ القرارات طالما يفضلون منهجية (مقاس واحد يناسب الجميع) لأن التفكير على المستوى الكلي وتفصيل مقاس مختلف لكل فئة من فئات العملاء (المستوى الجزئي) يعني المزيد من الجهد والوقت والمال

في العمل كيف يمكننا إثراء تجربة ذوي الإعاقة

كصاحب عمل: المسألة أكبر بكثير من توفير بضعة مواقف مخصصة لهم، عليك أن تسهل حياة موظفيك (من ذوي الإعاقة) وتسخر لهم كل الأدوات والسياسات والإجراءات التي ستمكنهم من أداء وظائفهم على أكمل وجه. قم بنشر ثقافة في الشركة حيث يشعر جميع الموظفين بالعدالة (سواء كان الموظف صحيحا أم عليلا)

كموظف: عليك أن تستوعب بأن زملائك من (ذوي الأعاقة) لا يحتاجون إلى تعاطفك ولا يريدون منك أن تشفق عليهم أو أن تعتذر لهم عندما تكتشف إعاقتهم … تعتذر لماذا وعلى ماذا فأنت لست مسؤلا عن إعاقتهم (ذلك سيشعرهم كما لو أن هنالك خطأ ما بهم) وهم لا يريدون أن يشعروا بذلك أو يتذكرون ذلك مطلقا، كقاعدة عامة إذا ما لاحظت يوما ما أي زميل لم يبدوا طبيعيا لك فلا داعي أن تبحث عن إجابة مباشرة منه لتؤكد صحة ملاحظتك دع عنك (الفضول الساذج “اللقافة”)، إياك وأن تسأل هذا الزميل مباشرة، يمكنك أن تسأل شخص ما آخر يعرفه لاحقا، إذا كان لديك زملاء من ذوي الإعاقة لا تساعدهم قبل أن تعرض عليهم المساعدة، فإذا رفضوا فهذا حقهم ولطفك محل تقدير وإذا رحبوا بمساعدتك فأنت لم تنتهك خصوصيتهم …

نعود لصاحب العمل: الموظف من (ذوي الأعاقة) لا ينبغي أن يشعر بحرج حينما يطالب بأشياء تساعده على أداء مهامه، بل هي حق من حقوقه ولا ينبغي بادئ ذي بدء أن يسأل هو عنها بل يجب على الشركات أن تبادر بتوفيرها وتبحث عنها لا أن تنتظر صاحب الإعاقة بأن يطالب بتوفيرها. من الجدير بالذكر أن بعض الشركات الكبيرة خصصت وحدة متفرغة للعناية بفئة الموظفيين ذوي الإعاقة. فالاهتمام والتوعية بهم لا تكون في يوم واحد بالسنة بل على مدار السنة

كمواطنين كيف يتم إثراء تجربة ذوي الإعاقة

تقع المسؤولية بشكل كبير على عاتق الحكومات في سن التشريعات والقوانين التي تضمن العدالة لهذه الفئة وتضمن لهم حقوقا كانوا محرومين منها بسبب إعاقتهم: كمثال حق التعلم، وحق الحصول على الخدمات (دون مساعدة)

حتى وإن وفرت لهم العديد من الجهات، مواقف مخصصة أو مسارات مخصصة لهم، أو منحتهم أولوية بالخدمة أو وفرت لهم من يذهب إليهم ليخدمهم قد يفضل بعضهم أن يعامل معاملة الإنسان الطبيعي وأن يخدم نفسه بنفسه، كما للحكومات دور كبير في صناعة صورة نمطية معينة عن هذه الفئة من خلال تسخير الإعلام في إجراء حملات توعوية من دورها أن تغير أي صور نمطية سلبية أو ارتباطات عاطفية سلبية بهذه الفئة، كما يمكن للحكومات التغيير من خلال الجهات التشريعية أو الإشرافية على (الصناعات المختلفة) لتضمن لذوي الإعاقة الشعور بالعدالة عندما يتعلق الامر بالحصول على أي خدمة أو منتج أو التمتع بأي من الوسائل التي توفرها الدولة لمواطينها

مثال: قانون 508 الفيدرالي في أمريكا يحتم على جعل كل المعلومات والخدمات الالكترونية (متوفرة ويسهل الوصول لها) لذوي الإعاقة، ولنأخذ مثالا بسيطا عن أحد الإعاقات (عمى الألوان) هناك 1 من كل 12 شخص على أرض هذه المعمورة مصاب بهذا المرض ورغم ذلك عدد المواقع الالكترونية أو التطبيقات التي تضع ذلك في عين الاعتبار (من حيث تصميم الواجهات واختيار الألوان) قليلة جدا، المثال عن إمكانية الوصول لمعلومات فما بالكم بإمكانية الوصول لأماكن ومواقع يتعذر الوصول لها فيزيائيا لأن الطرق غير ممهدة لهم لتمكنهم من ذلك

في جميع المنظمات التعليمية، كيف يمكن للحكومات أن تقاتل التنمر تجاه هذه الفئة، لأن العديد من ذوي الإعاقة إما توقف عن التعليم كليا أو اتجه للتعليم المنزلي أو عن بعد بسبب التنمر أو بسبب النظرة الدونية التي كان يتلقاها من زملائه

كمستهلكين كيف يتم إثراء تجربة ذوي الإعاقة

في مجال المطاعم على سبيل المثال: بعض الناس لديها حساسية من أنواع محددة من الطعام وهذا ما دفع هيئة الغذاء والدواء في السعودية على إجبار المطاعم على التنبيه إلى مسببات الحساسية في كل وجبة، لكن دونما تدخل وتوجيه من المشرعين ستجد أن المطاعم قلما تتحرك من نفسها (اعتبارا لهذه الفئات) وإنما رغبة في اقتناص الفرص، مثلا كم عدد المطاعم التي تقدم وجبات خاصة لمرضى السيلاك (الذين يتحسسوا من الجلوتين)، كم عدد المطاعم التي تقدم وجبات خاصة لمتبعي حميات مثل الكيتو، أو الحمية منخفضة السعرات، أو تقدم حلويات خاصة بمرضى السكري … هذه الفئات لا توضع بعين الاعتبار ببساطة لأنهم يمثلون أقليات وبالتالي لا يعتبروا فرصة بيعية تستحق الاستثمار في تطوير مثل هذه المنتجات المخصصة لهم لكن بالمقابل تظهر بعض المطاعم المتخصصة التي تلبي حاجات هذه الفئات وتحصل على حصة الأسد من هذا السوق المهمل

ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من الشركات الناشئة التي تركز في نموذج عملها على الأقليات (niche markets) ونجحت نجاحا باهرا لأن ما تقدمه يلبي حاجة لم يتم تلبيتها من قبل من شركات عملاقة، وهذا يعني أن هناك حاجة في السوق لم يتم تلبيتها (untapped needs) وأن رجال الأعمال الذي ينظرون لنماذج الأعمال من منظور كمي بحث (لغة الأرقام: أرباح وخسائر) يمكن أن يجدوا فرصة فيستفيدوا ويفيدوا بقراراتهم

جهود تستحق الإشادة

لاشك أن هناك العديد من قصص النجاح على المستوى المحلي والعالمي، إلا أن مساحة الابتكار والإسهام لهذه الفئة ما زالت واسعة جدا. شدني خبر إدراج لغة الإشارة في منهج التربية الأسرية والمهارات الحياتية لجميع المراحل التعليمية في التعليم العام في المملكة العربية السعودية وهذه بلا شك جهود تستحق الشكر والإشادة، والقادم أفضل بإذن الله. كما شد انتباهي وأنا أبحث عن بعض المصادر الرسمية هذا الموقع الحكومي في السعودية والذي يفند وبشكل مستفيض حقوق ذوي الإعاقة

حالة دراسية من القطاع الخاص: في حالة تستحق الإشادة من شركة (Olay) اطلع أصحاب القرار على مجموعة من المراجعات من عميلات يواجهن صعوبة في فتح عبوة كريماتهم المخصصة للعناية بالبشرة، تفكروا وابتكروا حلا بسيطا (تعديل على تصميم الغطاء) يمكن النساء من ذوي إعاقات مختلفة على فتح عبوة الكريم بكل سهولة، المزيد من التفاصيل عن المنتج والحملة تجدونها هنا

قبل أن أختم أود أن أتقدم بجزيل الشكر للأخت (رؤى الرجَّال) التي ألهمتني كثيرا ولازالت تلهمني والتي ساعدتني في هذا المقال من وحي تجربتها الخاصة حيث أنها تعاني منذ طفولتها من مرض جيني نادر يسمى بمتلازمة التهاب الشبكية الصباغي (Retinitis Pigmentosa Syndrome) والذي يؤدي إلى تدهور حاسة النظر بشكل تدريجي، الصورة أدناه لها حيث تعرفت عليها في أحد أندية التوست ماستر في الرياض

رؤى الرجال

ختاما

بين القدرة والإمكانية شعرة رقيقة، ف(بين) أن نحكم على أي شخص بسبب إعاقته ونعمم عدم إمكانيته للقيام بمهمة ما و(بين) أن نبحث عن الممكنات ونمهد السبل لخلق الإمكانية لنفس الشخص فرق شاسع وكبير. إذا وجدت الرغبة لتمكين هذه الفئة من المجتمع فستخلق معها الحلول المناسبة لسد الفجوات التي ستمكن ذوي الإعاقة من التعايش والتأقلم مع إعاقتهم دون أي مشاعر بالعوز أو المعاناة.

ومن هذا المنبر أتساءل كمحامي دفاع عن العميل بكل فئاته، هل بذل الإعلام الجهد الكافي لتشكيل الصورة النمطية الصحية والصحيحة عن هذه الفئة؟ هل بذل ملاك الشركات في القطاع الخاص ما يكفي من الجهد والمال لتصميم خدمات ومنتجات تتلائم مع احتياجات هذه الفئة، وهل وضعت الحكومات ما يكفي من الجهد لتسخير الأنظمة والتشريعات والسياسات في سبيل خدمة هذه الفئة …

لقد حان الوقت للاستفادة من ذوي الإعاقة في تحريك عجلة الاقتصاد والنظر لهم كعنصر فاعل في المجتمع يساهم في الناتج الإجمالي وليس عالة على الدولة يستنزف من مواردها المالية

وعلى الله قصد السبيل

مصادر إضافية لمن أراد الاستزادة

https://idpwd.org/

https://www.aoda.ca/

https://www.who.int/health-topics/disability

Americans with Disabilities Act (ADA)

The equal employment opportunity commission (EEOC)