ذاكرة السمكة الذهبية
تمهيد
يتطرق بعض الكتاب إلى تشبيه الشركات التي لا تحسن إدارة علاقات عملائها ولا تقوم بحفظ سجلات التعاملات الحاصلة فيما بينها وبينهم بأنهم يمتلكون ذاكرة السمك الذهبي والتي تتميز تلك الأخيرة بأنها قصيرة جدا وأنها لا تتجاوز الثلاث ثوان وهذا ما يجعلها تبقى تدور في الحوض بلا كلل ولا ملل لأنه كل ثلاث ثوان تظن بأنها رأت عوالم جديدة غير التي رأتها قبل قليل، فهل تملك شركتك ذاكرة سمكة ذهبية أم أنها تملك ذاكرة فيل لا ينسى مهما طال الزمان
العملاء لن يعودوا مثلما السابق
على مقدمي الخدمات والمنتجات معرفة أن العملاء لم ولن يعودوا كما كانوا في تسعينيات القرن المنصرم، في هذه الأيام أصبح العملاء على وعي منقطع النظير… أصبحوا يقارنون ويشاركون تجاربهم ليس مع أصدقائهم وأقاربهم وزملائهم وحسب بل أصبحت مشاركاتهم تبلغ الآفاق بفضل الانترنت، فهل ستحاول الشركات أن تتمتع بذاكرة حديدية لتعامل عملائها بما يليق بهم أم أنها تفضل أن تمتلك ذاكرة سمكة ذهبية وتبقى في حوض السمك تعيد نفس الأمور وتأمل تغير أحوالها؟ … فذلك الجنون
تمتلك العديد من الشركات في دول العالم الثالث بذاكرة السمكة الذهبية، فإذا ما اتصلت على مركز اتصالهم قد لا يستطيعون تمييزك من رقم جوالك الذي اتصلت منه، وإذا ما تم تحويلك لموظف آخر مختص لأن الأول لم يستطع مساعدتك يعود الموظف الثاني ويطلب منك رقم حسابك أو اشتراكك وربما يعود ويطلب منك أن تقص عليه القصة من بدايتها وتستمر معاناتك معهم في كل مرة تتصل فيها عليهم
تخيل أنك تتعامل مع مؤسسة خدمية وفي بداية العلاقة زودتهم بعدة تفاصيل عن اسمك وعملك ومكان سكنك وهاتفك، وبعدها بفترة وجيزة أردت الحصول على خدمة أخرى من نفس المؤسسة فإذا بالموظف المعني يخرج لك نفس النموذج ولكنه معنون باسم الخدمة الجديدة، هل يعقل هذا؟ نعم هذا يحدث في العديد من المنظمات الكبيرة التي يطغى عليه الطابع البيروقراطي فكل وحدة عمل ضمن المنظمة تكاد تكون كما لو أنها شركة مستقلة لها أهدافها ولها قواعد بيانات خاصة بها
قصص وعبر
يوما ما قمت بالتسوق من أحد مواقع التجارة الاكترونية العربية الشهيرة، أضفت بعض المنتجات إلى سلة المشتريات ثم خرجت لتنفيذ مهام مستعجلة طلبت مني وبعدها عدت وأكملت عملية الدفع، بعد ذلك بساعتين وصلني رسالة تذكير لإتمام الشراء قبل نفاذ الكمية، شعرت بالارتباك وبدأت أتساءل بيني وبين نفسي لعل خطأ ما حدث أثناء الدفع ولم تتم عملية الشراء، عدت ودخلت للموقع تفقدت حقيبتي الشرائية فإذا هي فارغة والعملية سليمة … هذا الموقع كان يمتلك ذاكرة السمكة الذهبية إذا أنه وبسبب رداءة أنظمة إدارة علاقات العملاء لديه، كلفني جهدا إضافيا أنا بغنى عنه
بينما بالمقابل يتمتع عمالقة التجارة الالكترونية أمازون وإيبي بذاكرة حديدة كذاكرة الفيلة، إن كنت من مستخدمي هذه المواقع ستلاحظ كيف أنه مع تكرار شرائك سيبدأ الموقع بعرض أشياء قد تعجبك ومنتجات قد اشتراها أشخاص إلى جانب منتج قد قمت أنت بشرائه يوما ما، هم لم يسألوك يوما عن ذوقك الفريد ولكن بخوارزمياتهم المعقدة استطاعوا التنبؤ بأشياء يحتمل كثيرا بأنها ستعجبك
ماذا سيكون شعورك إذا ما كنت تريد شراء كتاب من أمازون وتتفاجئ بظهور رسالة تحذيرية تقول “لقد اشتريت هذا الكتاب من قبل، هل ترغب بشرائه مرة أخرى؟” -هذه الرسالة تظهر للعملاء المشتركين بفئة البرايم- ستقدر ذلك وتشعر بالمزيد من الثقة، هذا ما يحدث بأمازون وكذلك تطبيقهم أوديوبل، فإذا ما اشتريت كتابا صوتيا وحذفته ونسيت مع الوقت أنك قد سمعته من قبل إذا عدت لنفس صفحة الكتاب لن يجعلك تشتريه مرة أخرى وإنما سيوفر بك فرصة تحميله من جديد مجانا
إن صدفت إحدى الليالي أن تكون محظوظا كنزيل لدى فندق الريتز كاريلتون المشهور بتجارب العملاء المتميزة لديه فتذكر أن أي طلب ستطلبه من خدمة الغرف سيتم حفظه لديهم لمراجعته في حال عدت يوما ما كنزيل لديهم مثلا لو طلبت كابتشينو معد بالحليب قليل الدسم مع إضافة نكهة البندق والمحلي الصناعي وعدت بعد أشهر كنزيل واتصلت بخدمة الغرف لطلب كابتشينو سيسألك الموظف هل تربده بحليب منزوع الدسم مع نكهة البندق ومحلي صناعي !! وأنت سيصيبك الذهول لأنه من المحتمل جدا أنك نسيت بأنك طلبته يوما ما في نفس الفندق
خاتمة
لكي تقدم تجربة لا تنسى لعملائك عليك أن تركز على ثلاثة أمور، كيف يصف العملاء تفضيلاتهم الفريدة وكيف تميز بأنها رغبة دائمة وليست لحظية وكيف ستقوم أنت بتذكرها أو حفظها لمفاجئتهم بها في حال تكرار زيارتهم لك
الشركات التي تريد تقديم تجربة عميل متميزة لا يمر أي شيء أمامها مرور الكرام ورغم ذلك لن تجد أن لديها موظفين بذاكرة خارقة وإنما يتوفر لديها بعض الأنظمة التكنولوجية المتواصلة فيما بينها بشكل تزامني والتي بدورها توفر عليهم وعلى موظفيهم عناء التذكر، ومع ذلك أنبه إلى أن امتلاك هذه الأنظمة وتنصيبها على أنظمة الشركة لن يضمن لك تنصيب ثقافة خدمة العميل وتقديم تجربة متميزة له على عقول موظفيك، فالعمل على جانب صناعة الثقافة المتمحورة حول العميل يأتي قبل مسألة إيجاد الأدوات اللازمة لدعم تلك الثقافة
