تجربة المريض بعيون الطبيب الإنسان
تمهيد
في زيارتي مؤخرا لعمي في مدينة جدة أردت أن أتعرف إلى تجربة المريض بعيون طبيب إنسان أمضى من عمره أكثر من أربعين سنة في هذه المهنة الإنسانية (منذ عام 1979 وحتى يومنا هذا) ولم يتردد بمشاركتي بآراءه الشخصية المستقاة من واقع مسيرة مهنية طويلة، ومن وحي ما أفادني به أشارككم من جميل ما سمعته منه بتاريخ 20 نوفمبر 2022 ميلادية، كل ما سأذكره في المقال أدناه مقتبس من حديثنا ذلك اليوم بتصرف بسيط مني وأضفت كذلك إضافات قيّمة من قريبنا الدكتور إياد بن عدنان السبيعي أميزها برمز النجمة وأذكر اسمه عند الاقتباس منه
القواعد الستة في تقديم تجربة مريض استثنائية
1
الضمير = تقوى الله
مخافة الله في المرضى والعمل بالحديث الشريف “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” رواه البخاري ومسلم، تتجلى معاني التقمص العاطفي حيث يضع الطبيب نفسه مكان المريض ولا يقبل أن يصرف له دواءً قد يتعارض كيميائيا مع أدوية أخرى يأخذها حاليا وكذلك لا يصرف له إلا الدواء الذي ستتحقق فيه منفعته، السؤال الذي يطرحه عمي على نفسه كان هل يمكن أن أخذ نفس الدواء لو كنت بنفس حالة المريض الذي أمامي الآن؟
الذي يدفع الأطباء (لا نعمم) للعمل بغير ذلك هو المغريات التي تقدمها شركات الأدوية والتي يقوم بعضها بأساليب ملتوية وغير أخلاقية ولا مهنية لكي تضمن الحصول على حصة سوقية أكبر من منافسيها، من هذه الممارسات منح الطبيب ما يصل إلى ما قد يصل إلى نسبة 10% من مبيعات الدواء إما على شكل مبالغ نقدية أو هدايا عينية أو قسائم شرائية ويذكر لي عمي قصة طرده للعديد من مناديب شركات الأدوية من مكتبه بعد محاولتهم لرشوته بأحد هذه الطرق. أما ما هو مقبول بالنسبة له هي أن يكون الدواء الذي يتم تسويقه مناسبا للأمراض التي خصص لها (مع إثبات ذلك بدراسات طبية محكمة) وأن لا يكون له أعراض جانبية سلبية وذلك بحافز مقدم من الشركة بأن تقدم له عينات مجانية من الدواء لكي يمنحها للمحتاجين الذين كان يعالجهم لوجه الله خارج ساعات الدوام الرسمية … ننوه أن هذه الظاهرة السلبية أصبحت أقل بكثير في السنوات الأخيرة
لا يمانع عمي كذلك من حضور الدعوات للمؤتمرات الدولية الطبية شرط أن تكون منظمة من شركات دوائية مهنية لا تفرض على الطبيب أي شروط مقابل حضوره وتحمل تكاليف سفره وإقامته وذلك لأن حضور المؤتمر به فائدة علمية كبيرة تعود عليه بسبب المتحدثين المستقطبين للتحدث في المؤتمر عن دراسة سريرية لأدوية متنوعة (وليس الدواء الذي تقدمه الشركة المنظمة للحدث وحسب) تستهدف معالجة ذات المرض
يضيف فيقول حتى لو طلب المريض دواءً معينا بالاسم وحتى لو كان لديه تأمين طبي أو قدرة مادية تمكنه من صرف الدواء فإنه يقوم بتوضيح مخاطره ويرفض أن يكتبه له ويعطيه البديل الأنسب لحالته ووضعه الصحي
2
الإنصات للمريض
تحولت مهنة الطب لمهنة تجارية بحتة وهذا دفع العديد من الأطباء (لا نعمم) إما خوفا من الضغوطات التي يتعرضون لها من الإدارة (لحلب المرضى: استنزاف أموالهم بغير وجه حق) أو طمعا بالنسبة التي سيحصلون عليها مقابل تحقيق مستهدفات مالية معينة، دفعهم إلى النظر للمريض على أنه مجرد صفقة تجارية وبدلا من تقييم حالته وطرح العديد من الأسئلة التي تساعد على تشخيص مرضه. بات تركيزهم على معرفة وضع المريض الاجتماعي وأين يعمل وكم يمكن أن ينفق في هذه الاستشارة أو ما هو نوع تأمينه ومن ثم وبدلا من تشخيص الحالة يتم توجيه المريض لإجراء أكبر عدد من التحاليل أو التصاوير التي تلزم والتي لا تلزم علما بأن الأطباء يمكنهم في حالات عديدة تشخيص المرض دون أدنى حاجة للجوء إلى إجراء إضافية. وقد استقال عمي من أحد المراكز سابقا بسبب الضغط المستمر عليه من مالكه لكي يحقق دخل أكبر من كل مريض من خلال توجيه للقيام بأمور لا داع لها، فلا هذا جائز شرعا في نظره ولا الحصول على نسبة مئوية من الدخل رغم أن النسبة في العديد من الحالات قد تتجاوز قيمتها الراتب الأساسي للطبيب. كان متيقنا بأن (من يتق الله يجعل له مخرجا)، وجعل الله جل في علاه مخارج كثيرة له
يرتاح المريض للطبيب الذي ينصت له ويسأله عدة أسئلة تشعره باهتمام وتعاطف أصيل وهنا تتشكل العلاقة وتبنى الثقة. وقد استغرب أرباب العمل في بعض الجهات التي عمل بها عمي من ترك المريض للاستشاريين والاصطفاف بدور انتظار طويل لإجراء المراجعه عنده
الطبيب الإنسان يمكن أن يواجه مرضى يعانون من آلام جسدية سببها الجذري نفسي بحت وليس عضوي ويمكن للطبيب بفطنته أن يداوي المريض بالكلام لا بالدوا، حيث كان الألم يزول من بعض مرضاه من الجلسة الأولى وليس عندي أدنى شك بذلك فالنظر في عينيه التي تفيض سكينة وأمان: راحة وتعافي … بعبارة أخرى الطبيب الإنسان طبيب نفسي بامتياز وللأسف الكثير من المرضى هم ضحايا إما لأرحام قسوا عليهم أو لأطباء آخرين هولوا عليهم الأمر وأشعروهم بأن الموت قريب ولا يخرجهم مما هم فيه من هم وغم إلا الطبيب الإنسان الذي حتى لو كانت حالة المريض حرجة من جانب علمي فإنهم يمنحونهم الأمل ويذكروهم بأن الشفاء من عند الله
3
التواضع والمعاملة بالمثل
مهما بلغ الطبيب من الشهادات مبلغه يجب أن يكون متواضعا مع مرضاه ولا يجب أن يشعر المريض بأي تعالي من طرف الطبيب، فكل الدرجات والشهادات التي نالها الطبيب هي ليست من عنده وإنما من عند الله وتوفيقه … المرضى يشعرون بالتواضع ويشعرون بالتكبر من كلام الطبيب ولغة جسده. لا أستطيع نسيان الألم النفسي الذي سببه لي أحد الأطباء عندما رد علي بعجرفة بسبب كثرة أسئلتي قبل عملية جراحية أجريتها قبل أكثر من 9 سنوات. ولم أعد أراجعه بعد أن قمت بالعملية ولم أنصح به أحد
كلمات الطبيب قد تكون كالطعنات وقد يخرج المريض من عند الطبيب ونصف آلامه قد رحلت بسبب رحمة الطبيب وإنسانيته التي انتقلت للمريض في الجلسة القصيرة التي أمضاها معه. تواضع الطبيب يتجسد في كلماته وفلتات لسانه فحتى لو أفتى المريض بما لا علم له فيه (بحث في جوجل على سبيل المثال) يمكن أن يرد الطبيب بكل أدب ويصحح أخطاء فهمه بدلا من أن يقول له عبارات مثل أنا درست 12 سنة عشان أنت تجي تصحح لي أو أن يقول له أنت دارس طب شي عشان تفتي؟ أو يقول له ليش جاي عندي مدام عارف إيش مرضك
No alt text provided for this image
كما يجب على الطبيب أن يعامل الجميع بالمثل بغض النظر عن مستواهم ووضعهم الاجتماعي يخدم الفقير كما يخدم الوزير ولا أفضلية أو أولوية لأحد على أحد ولا يتم تقديم مريض على مريض بسبب منصبه كل يدخل بحسب مواعيده أو بحسب دور انتظاره
ومن تواضع عمي أنه لا يمانع مشاركة رقم جواله مع أي أحد رغم أن الاتصالات ورسائل الوتس أب تنهمر عليه ممن يعرفهم ومن لا يعرفهم ولا يتردد بأن يتكرم بوقته وعلمه (دون مقابل) ليشور عليهم بما هو أصلح لصحتهم وفي كل مرة أزوره يقدم لي كل ما يمكنه تقديمه من فحوصات ونصائح وأدوية دونما أن أطلب ذلك. في زيا تي الأخيرة حينما أخبرته بأخذي لدواء كولسترول معين طلب مني أن أوقفه فورا وأعطاني البديل الأنسب وذلك لأن الدواء الذي كنت آخذه يسبب ضمورا بالعضلات كأحد أعراضه الجانبية وكانت فعلا عضلاتي تؤلمني لأسباب أجهلها ولم أتخيل لبرهة أن للدواء علاقة بذلك
4
السرية
الطبيب المخلص في عمله والذي يحترم القسم الذي حلف عليه حينما قرر العمل بمهنة الطب يحترم خصوصية مرضاه إلا لو استدعت الضرورة الشرعية ذلك، كمثال: في حال سؤاله عن حالة أحد مراجعيه نساءً كانوا أم رجالا لغايات تتعلق بالزواج فإن كان من يُسأل عنه يحمل أحد الأمراض الوراثية الخطيرة أو المتلازمات أو الأمراض العضال فكان لا يجد حرجا بالتصريح عن تفاصيل حالته شرط أن لا يتحدث من صرح له عن التفاصيل لأحد
ويتضمن احترام السرية عدم استغلال المريض بأي شكل لمنصبه لتحقيق أي مصالح شخصية أو مكاسب مادية أو التحدث عن حالته لأي شخص حتى.
في أحد الأيام فقدت الثقة كليا في أحد الأطباء لأنه كان يسخر من مرضاه ويحكي قصصهم ليؤنس من كان يجالسه في المجلس رغم أنه لم يذكر اسم المرضى إلا أن الطبيب سقط من عيني
5
تطوير المعرفة المستمر*
يضيف الدكتور إياد قائلا: “يجب على الطبيب أن لا يتوقف عن الاطلاع على ما يستجد ويتطور من أبحاث ودراسات في تخصصه فمن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ونظراً لأن مهنتنا هي أمانة في عنقنا أودعها الله على أكتافنا لنقوم بتشخيص وعلاج من يأتي إلينا من مرضى على الوجه الأتم من السلامة والدقة، ونظراً لأن أبحاث الطب تتغير نتائجها بسرعة مذهلة فيجب على الطبيب الذي ينوي خدمة مرضاه على أحسن وجه أن يخصص جزءاً من وقته يومياً لقرائة المجلات الطبية أو مايتم نشره على شبكة الإنترنت، وأن يعمل جهده لحضور على الأقل مؤتمراً علمياً في تخصصه كل سنة إن لم يكن أكثر. كما يجب عليه ألايكون مصدر معلوماته مندوبي شركات الأدوية لأن كثير من الشركات تقوم بتقديم معلومات منحرفة بدرجةٍ ما عن الواقع لتدعم منتجاتها.” انتهى الاقتباس
6
*استحضار النية صباح كل يوم
يضيف الدكتور إياد قائلا: ” إخلاص النية لله تعالى في عملنا مهم جدا وأرى أن يستحضر الطبيب نيته صباح كل يوم وهو يشرع للذهاب إلى عمله لتصبح كل حركة يقوم بها وكل جهد يبذله عبادة لله تعالى لا تختلف عن بقية العبادات كالصلاة والصيام فيؤجر عليها بإذن الله، وهو أيضاً عندما يستحضر نيته يومياً: تحول بينه وبين ماقد يطرأ عليه من مغريات ممارسة مهنته فتحول دون أن تجره تلك المغريات خارج خارطة الطريق التي قد رسمها عندما عقد نيته قبيل ذهابه لعمله، … ثم بعد عقد هذه النية لابد له من الإفتقار إلى الله تعالى وإلى عونه وأن لا يغره ما وصل إليه به علمه وقدراته خبراته، فالموفِقُ هو الله عز وجل. فالطبيب المؤمن هو من يطلب عون الله ويلتجئ إليه سبحانه متجرداً من ذاته وقدراته، وفي هذا الصدد كنت قد أعددتُ دعاءً وذكراً أردده صباح كل يوم عندما أركب سيارتي متجهاً إلى عملي منذ سنوات عديدة وهو: اللهم إني قد نويت خدمة عبادك وعيادتهم ابتغاء مَرْضاتِك واقتداءً بسنة نبيك المصطفى عليه الصلاة والسلام. اللهم فأجُرْني على ذلك وأجزل لي العطاء ومدني بمدد منك واجعل يدي وسيلة لشفاء من يأتي إلي من خلقك وجنبها من أن تؤذي أياً من خلقك خطأً أم عمدا. اللهم إني قد التجأت إلى قوتك العظمى بضعفي وإلى واسع علمك بجهلي وإلى سعة حكمتك بقلة تدبيري اللهم فلا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد سواك طرفة عين ولا أقل من ذلك. اللهم ليس لي رب أدعوه إلا أنت ولا إله أرجوه إلا أنت، فلا تكلني إلى نفسي أو إلى سواك طرفة عين أو أقل من ذلك . اللهم كن مع عيني التي تبصر ومع عقلي الذي يفكر ومع يدي التي تعمل، عليك توكلت وإليك أنبت وإليك المصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم” انتهى الاقتباس
كيف تعرف بأن المريض راض عن خدمتك؟
سألته هذا السؤال لكوننا في المجال نهتم بقياس التجربة، فقال لي بأن تكرر المريض لدي في مجال اختصاصي وغيره دليل كافي لي أني خدمته خدمة مرضية ولا أذكر طيلة مسيرة المهنية إلا حادثة واحدة كان فيها المريض غير راض عن خدمتي بسبب رفضي تحويله لمستشفى خاص لأنه حالته لم تكن تستدعي التحويل، دعوة المريض بظهر الغيب لي أو في وجهي تسوى عندي الدنيا، أعطاني جواله بعد أن شغل مقطعا صوتيا من أحد مريضاته وكانت تدعو له … طافت دمعتي وأنا أستمع للمقطع وأخفيتها عنه واستشعرت ماذا يقصد حينما قال بأن الدعوات تسوى الدنيا
ثم ختم كلامه بأصدق عبارة، إذا أردت أن تعرف ما هي تجربة المريض المثالية عليك أن تسأل المريض وليس الطبيب، المرضى يلاحقون الطبيب لا المنشأة الصحية وعندما يبحث الناس عن طبيب متميز فهم يلاحقونه أينما كان يعمل ومهما كانت المواعيد عنده بعيدة المنال
في الختام
ليس لدي أدنى شك أن تحسين تجربة المريض في أي منشأة صحية يبدأ بانتقاء الطبيب الإنسان فهو أهم عنصر بالمعادلة، يمكن للمنشأت الصحية أن تستقطب أعظم الأطباء من حيث الكفاءة العلمية لكن اختيارهم للطبيب الذي يتمتع بمهارات إنسانية عالية يجب أن يكون الهدف الأهم بالنسبة لهم، فبهم تبنى الثقة ويبنى الولاء طويل الأمد
لأنه كان طبيب إنسان ولأنه يقدم تجربة مريض استثنائية بالسليقة/الفطرة (أي أنه لم يقرأ حرفا واحدا عن تجربة المريض). ما زال حتى يومنا هذا يتلقى استشارات من مرضى لديهم أفضل أنواع التأمين الطبي ويمكنهم الذهاب لأفضل المستشفيات في المملكة وخارجها ولكنهم يثقون به ثقة عمياء وبعضهم يتعامل معه منذ أكثر من قرن ونقلوا توصية التعامل معه لأولادهم. هذا المقال لا ينصفه ويعتبر شهادة مجروحة فيه فأحاديث ساعة لا يمكن أن تلخص مهارات تراكمية بناها خلال مسيرة امتدت لأكثر من أربعين سنة، الله أدعو أن يبارك له في ماله وعمره وولده على ما قدم وما يزال يقدم في خدمة الإنسانية
أشكر الطبيبن د.محمدبسام ود.إياد على مدخلاتهم القيمة التي أسهمت في نشر هذا المقال
All humans are people,buh not all people are Human. -Asiya Ibrahim