واقع الأبحاث التسويقية في السعودية - الباحثون الميدانييون
تمهيد
هناك شيء نسميه بلاغة الرقم، حيث إن التحديد الذي تمنحنا إياه الأرقام في إدراك الظواهر، لا يمنحنا إياه أي شيء آخر لكن علينا أن نشير إلى شيئين مهمين:
هو أن وضوح دلالة الأرقام يجعل الطلب عليها شديدا، ويجعل تداولها واسعا جدا، وهذا يؤدي إلى أمرين:
الأمر الأول: تعرض الأرقام للتحريف الشديد، وعلى سبيل المثال إن ما ذكر في النص من أن متوسط قرائة العربي في اليوم هو 6 دقائق قد تم تحريفه في بعض الكتب أثناء التداول إلى 6 دقائق في السنة، وهو تحريف خطير للغاية!
الأمر الثاني: هو المتاجرة بالأرقام، حيث إن كشف الكذب في الأرقام كثيرا ما يكون صعبا للغاية، ولهذا فإن بعض الجهات تحاول تحقيق أرباح ومكاسب ومصالح عن طريق تضخيم بعض الأرقام وتقليل أرقام أخرى، ولهذا فلا بد من الانتباه الشديد، وإلا كان وعينا وإدراكنا هو الضحية القادمة.
في المملكة العربية السعودية هناك أكثر من ثلاثين وكالة تقدم خدمات الأبحاث التسويقية، ولكن يبقى السؤال ماذا عن الجودة؟ هذا ما أريد التطرق إليه في مقالي لهذا اليوم وتحديدا عن الباحثيين الميدانيين وجودة ما يقدمونه، بداية دعونا نوضح أن الحاجة للباحث الميداني تظهر عند رغبة إحدى وكالات الأبحاث التسويقية بإجراء أنواع معينة للأبحاث الكمية أو النوعية
واقع الباحثيين الميادنيين
تعتمد كل وكالات الأبحاث التسويقية على باحثين متعاقدين (متعاونين) يعملون بدوام جزئي وذلك لارتباطهم بدوام كلي مع جهات أخرى، وجزء كبير منهم وافدين وذلك يتعارض مع قوانين وزارة العمل إذ لا يحق للوافد أن يعمل إلا في الجهة التي تكفله، وهذا يجعلهم يعملون بصورة متخفية وبحذر شديد في آن واحد خوفا من المساءلة، كما تتعامل هذه الشركات مع آخرين سعوديين وكذلك مع طلاب جامعات، إلا أن هذه الفئتين الأخيرتين لا تستمر في العمل لفترات طويلة بسبب الفرص التي تحصل عليها لاحقا ولذلك لا تفضل وكالات الأبحاث الاستثمار فيهم، فيبقى الباحث الوافد المتعاون أكثر استمرارية من غيره وقد رأيت بنفسي بعض الباحثين مستمرين في العمل بهذا المجال منذ أكثر من عشرين سنة، ولا أخفي عليكم أن هناك مجموعة من الباحثين يقومون بالتعامل مع عدد كبير من الوكالات في آن واحد وقد يتعجب المرء إذا ما رأى سيارة أحدهم مليئة بالاستبيانات ويتسائل كيف له أن ينهي كل هذه الكمية في فترة زمنية قياسية لا يمكن إنهاءها واقعيا حتى لو كان يعمل الشخص لمدة أربعة وعشرين ساعة لسبعة أيام بالأسبوع
دعونا نتحدث عن المساوئ التي نواجهها بسبب هذا الواقع وذلك بحسب طرق جمع البيانات المختلفة التي يتم استخدامها من قبل وكالات الأبحاث التسويقية وبعد سأتحدث عن الحلول المقترحة
أولا: مقابلات وجها لوجه - استبيانات ورقية
في هذه المنهجية واجهت حالات عديدة من الغش المتعمد من قبل الباحثين ووكالات الأبحاث تعرف ذلك وتقوم بالأسباب لرصد حالات الغش والتلاعب لاستبعادها، ماذا أعني بغش الباحثين الميدانين؟
أنا اخترت كلمة غش لأنها شاملة المعنى عربيا فكل ما يدخل تحت مظلة التزييف أو الفبركة أو عدم الالتزام بتطبيق العمل كما هو منوط لأي شخص يعتبر غش وخيانة للأمانة التي كلف الشخص بها، في اللغة الإنجليزية يوجد عدة مصطلحات علمية لوصف هذه العملية، أشهرها
(Interviewer Falsification)
ما هو تعريف غش الباحث الميداني: إن عملية الغش لا تنحصر في نشاط معين وإنما يمكن القول أنها كل ما يؤدي إلى تشويه النتائج التي كان يجب تحصيلها من المجيب المستهدف في دراسة ما ويدخل تحته عدم الالتزام بالتعليمات والتوجيهات التي أعطيت للباحث في التدريب بشكل متعمد
أكثر طريقة جمع بيانات يحدث بها حالات غش هي منهجية المقابلات وجها لوجه - استبيانات ورقية، وذلك لأن آلية ضبط الجودة ضعيفة تعتمد فقط على معاودة الاتصال بمن تمت مقابلتهم للتأكد من أن المقابلة تمت على ما يرام وقد وجد العديد من الباحثين الميدانين طرقا ملتوية لتجاوز هذه الآلية بنجاح كان أحدها أن الباحث لديه مجموعة من الأصدقاء يستخدم أرقامهم في كل بحث يقوم به ويوصيهم أنه في حال الاتصال بهم من وكالة الابحاث ماذا يجب عليهم أن يفعلوا، وفي بعض الحالات يضع رقمه الشخصي
أنا بمقالي هذا لا أعمم أن جميع الباحثين الميدانين في المملكة العربية السعودية غشاشين، فالتعميم قاعدة خاطئة بكل الأحوال، يبقى منهم المخلص الذي يريد اللقمة الحلال ولكن بعضهم غلبه الطمع ولا يهمه هل أكل حلالا أم حراما ولا يدرك أساسا أثر غشه على الشركات التي تجري الأبحاث وهو أشبه ما يكون بتأثر الفراشة الذي يمتد أثره لجهات عديدة.
أذكر قصة قصيرة على سبيل الفكاهة، وقد شهدتها بنفسي: سبق وكانت أحد الوكالات تقوم بإجراء بحث تسويقي لشركة من شركات التبغ العالمية، سألت المشرف على فريق الباحثيين الميدانيين سؤالا عفويا: قلت له ألا تشعر بالحرج من إجراء أبحاث لشركات تقوم بقتل الناس بمنتجاتها؟ فقال لي نعم أشعر بالحرج بالطبع وقد أوصيت الباحثيين الميدانيين أن لا يقصروا في تشويه النتائج لكي تحصل هذه الشركة على معلومات مضللة … كان من المفترض احترافيا أن يرفض إجراء البحث عوضا عن إدارته وتشويه نتائجه
ثانيا: الأبحاث النوعية
تتطلب الابحاث النوعية توفير مجموعة من المستهدفين في وقت معين وفي مكان معين، على سبيل المثال لإجراء مجموعات التركيز وهي أشهر طرق جمع البيانات في الأبحاث النوعية، ويكون هناك ما يسمى بالمصطلح العملي: المجندين وهم الأشخاص الذين تعطيهم وكالة الأبحاث التسويقية مواصفات الفئة المستهدفة لكي يبحثوا عنها ويجندوها، حالات الغش التي لاحظتها في هذا النوع من الأبحاث هو أن هناك مجموعة معينة من الأشخاص يتم تدويرها على جميع الشركات ويعرفهم المجندون دوما ويضعنونهم للأوقات الحرجة، على سبيل المثال مجموعة التركيز تتطلب 8 أشخاص لنفترض أن المجند استطاع تجنيد 6 بنجاح وكانوا مقبولين من حيث المواصفات الآخرين الاثنين سيقوم بإحضارهم من هذه المجموعة الاحتياطية ويتم إخبارهم بالصفات التي يجب أن تتصف بها الفئة المستهدفة وذلك ليدعوا ذلك في حال تم سؤالهم وأقصد أنهم من فئة دخل معينة أو يعملون في مجال معين أو أو … للأسف لا يوجد جهة إشرافية أو رقابية على وكالات الأبحاث وإن وجد فالحل بسيط جدا هو أن يتم وضع قاعدة بيانات بجميع المشاركين لرفض مشاركتهم خلال فترة زمنية معينة
ثالثا: طرق جمع البيانات من خلال المقابلات عند المخارج والتسوق السري
هاتين الطريقتين تتطلب من الباحثيين الميدانيين الذهاب إلى أماكن معينة من أجل إجراء مقابلات عند مخارج الجهات المراد تقييمها كمخرج أحد منافذ البيع أو مخرج أحد المراكز الحكومية أم الأخرى فتتطلب من الباحث إجراء مهمة تسوق سري يمارس الباحث من خلالها دور العميل ويعيش تجربته لتقييمها لاحقا، أيضا في هاتين المنهجتين طرق تلاعب كثيرة تم رصدها والحد منها مع الوقت، أذكر إحدى الحالات المضحكة لمقابلات المخارج والتي تم ضبط الباحث فيها بالجرم المشهود كما يقولون، حدث أن هناك مهمة لإجراء مجموعة مقابلات في مدينة القصيم عند مخرج إحدى وكالات السيارات، بدلا من أن يجريها الباحث بكل موضوعية ذهب الباحث لمدير فرع تلك الوكالة وأخبره بكامل القصة وقال له إملء الاستبيانات كما تشاء وبذلك ستمنح نفسك تقيما مرتفعا وتحصل على ترقيات من شركتك بفضل جودة الخدمة المقدمة من موظفي فرعك، إلا أن أمانة مدير ذلك الفرع منعته من فعل ذلك، أخبر الباحث بأنه قبل بذلك ومن ثم تواصل مع المكتب الرئيسي وأخبره بما حدث ليتواصل المكتب الرئيسي مع شركة الأبحاث ويحدث بينهم خلاف كبير في ذلك الوقت، نعم هي حالة فردية ولكن كان يمكن تجنبها بمدأ الوقاية خير من العلاج.
رابعا: طرق جمع بيانات أخرى
هناك بعض المنهجيات الأخرى التي يصعب بها التلاعب على سبيل المثال الأبحاث التي ترسل للمجيبين على بريدهم الالكتروني ويتوفر لدى بعض الوكالات مثل شركة يوجوف وشركة إبسوس قاعدة بيانات ضخمة في العديد من الدول، إذا يتم إرسال الاستبيانات الكترونيا إلى بريدهم من أجل المشاركة، ورغم ذلك في بعض الحالات قد تكون الفئة المستهدفة تنحصر في فئة يصعب الوصول لها في المجتمع ولا تتوفر ضمن قواعد بياناتهم، شهدت أثناء زيارتي لإحدى الشركات العالمية حالة وهي كالتالي: تم إعطاء إحدى المجندات قائمة كبيرة من روابط الاستبيانات لترسلها إلى فئة مستهدفة صعبة، وهذه مهمتها الرئيسية أن تؤمن إرسال هذه الروابط إلى هذه الفئة، ولكن ما حدث كان غير متوقع نهائيا، كانت هذه المجندة تقوم بفتح الروابط واحدا تلو الآخر وتملء الاستبيانات بعشوائية حتى تنهيها بنفسها كاملة دون إرسال أي شيء للفئة المستهدفة وهذا خطأ من الوكالة نفسها إذا وضعت الثقة في هذه المجندة
منهجية أخرى يصعب الغش بها وذلك بفضل التكنولوجيا: وهي منهجية إجراء المقابلات بمساعدة الأجهزة الكفية
Computer assisted telephonic interviews
وتوفر بعض الوكلات في السعودية نوعية معينة من الأجهزة الكفية التي يستخدمها الباحثون الميدانيون لملء إجابات الاستبيانات حين مقابلتهم للفئة المستهدفة، وتقوم هذه الأجهزة برصد الإحداثيات التي تم إجراء المقابلة بها بالإضافة إلى تسجيل المقابلة صوتيا دون علم الباحث، ولا خرق للخصوصية هنا إذ أن الهدف هو ضبط الجودة، وقد تم رصد العديد من حالات الغش وتم وضع الباحثين المعنين في قائمة سوداء للتوقف الوكالة عن التعامل معهم مستقبلا
كذلك لدينا طريقة إجراء المقابلات عن طريق الهاتف وهذه الطريقة بفضل التكنولوجيا أيضا ضبطت الجودة بشكل كبير، إذا أن بعض الأنظمة لا توفر للباحث خيارا للاتصال يمن يريد، هو نظام اتصال آلي يحول المكالمة للباحث أو للباحثة من أجل إجراءها كما يتم تسجيل المقابلة كاملة بهدف ضبط الجودة وتمنح الشركة الطالبة للبحث صلاحية الدخول لهذه المكالمات من أجل الاستماع لها وتحديد مستوى جودتها
الحلول المقترحة
إن معرفة أساليب وطرق الغش المتبعة من قبل الباحثين ما هي إلا اللبنة الأولى في بناء جدار مقاومة أفعالهم وجعله حائلا بينهم وبين الغش، وقد تم رصد الكثير من الحالات في العديد من الأبحاث الأكاديمية وتم رصد طرق لمقاومة هذه الأساليب في دول لا تقاوم الغش لأنه محرم دينيا فحسب ولكن لأنه مخالف للأخلاق، وكما هو الحال في المدارس والجامعات، كلما كشفت طريقة غش ابتكر الطلاب أخرى غيرها وكذلك الحال هنا، فكل ما سأذكره هنا لا أعتقد بأنه يمثل 50 % من الطرق الأخرى لأني وكما يقول المثل: “ما خفي أعظم”:
1- أبسط الطرق المعتمدة من قبلهم هي قبول شخص خارج العينة المستهدفة “لا تنطبق عليه الأسئلة الانتقائية”، ولكنهم يستمروا في مقابلته حتى ولو لم تنطبق عليه الشروط، إما لمعرفة به أو لكسل منهم في البحث والوصول إلى الشخص المستهدف.
2- أن يقابلوا مجيبا ويبدأ مع المقابلة ثم فجأة يرفض إتمام المقابلة لسبب ما، فلا يلغوا المقابلة وإنما يقومون بإتمامها بأنفسهم ويسلموها على أنها مقابلة كاملة.
3- وهي الطريقة التي يبدوا بأنها الرائجة بين الباحثين : وهي أن يقابلوا شخصا تنطبق عليه المواصفات المطلوبة ويأخذوا اسمه ورقمه ثم يسألونه بعض الأسئلة من الاستبيان ومن ثم تستمر المقابلة من خارج إطار الاستبيان على شكل دردشة، وبعد ذلك يقوم الباحث بتسجيل باقي الإجابات من عنده.
4- أن يقابلوا شخصا من العينة المستهدفة ومن ثم يقوموا بنسخ النتائج على استمارات أخرى ويضعوا عليها أسماء وأرقام أشخاص آخرين يكونوا قد اتفقوا معهم مسبقا على أن أحدا ما سيتصل بهم ليسألهم ما إذا أجرى أحدهم معنا مقابلة من طرفه أم لا، وهذا يدل على رداءة عمليات قسم ضبط الجودة في حال انطلت عليه مثل هذه الأكاذيب.
5- يتم ملئ الاستبيان كاملا بشكل شخصي من قبل الباحث، ويتم تسجيل الأسماء وأرقام الهواتف من دراسات سابقة تتعلق بالدراسة الحالية أو مشابهة لها أو يضعوا رقم أحد أصدقائهم ويطلبوا منه أن يدعي بأنه أحدا أجرى معه مقابلة في حال اتصل به أحد من قسم ضبط الجودة.
إن المسئول الأول عما يحدث هو الباحث، ولكن هناك طرف آخر رئيسي وهو من يكلفه بهذه المهام وأعني بهم المشرفين على الباحثين الميدانيين أو مدير الأبحاث الميدانية في وكالة الأبحاث وكلهم موظفين بدوام كلي في هذه الوكالات وهم بين أمرين إن كان لا يعرفون بأن الباحث الميدانين الذين يأخذون منههم الاستبيانات سيغشون بها فتلك مصيبة ولكن إن كان متيقنون ومع ذلك يعطيونهم فالمصيبة أعظم وهم يحملون بذلك وزر الباحث ووزر كل قرش حرام يدخل في بطونهم، وبالذات لأن الأمر بيدهم فهم القادرون على توظيف من يشاؤون لأداء هذه المهام وبحكم خبرتهم الطويلة في نفس المجال يمكنهم التمييز بين الصالح والطالح، ولكن إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، وعلى ذلك أتمنى أن يحمل الموضوع من قبل هذه الأطراف على محمل جدي أكثر وأنا يعلموا بأن الله سيسألهم عن تقصيرهم فيه وفي هذا المقام نذكر المقولة المشهورة للخليفة عمر بن الخطاب: لو تعثرت نعجة في بلاد العراق لعلمت أن الله سوف يحاسبني عنها.
حلول عملية مقترحة لوكالات الأبحاث
ينبغي على القائمين على أعمال البحث الميداني في وكالات الأبحاث إيجاد الباحث المناسب ووضعه في المكان المناسب، ومن التأكد من عدم حصول غش من قبل الباحثين بدلا من تصحيح أخطائهم وسد فجواتهم وعثراتهم، وعلى تنفيذي الأبحاث المسؤول عن الدراسة أن يتابع ويشرف على العمل الميداني ويراجع عددا من الاستبيانات بنفسه بشرط أن يحصل عليها عشوائيا ولا يتم اختيارها له من بين أفضل المقابلات.
عدم متابعة وصرامة المشرفين هو من الأسباب الرئيسية لحدوث الغش، إن مراجعة الاستبيانات أولا بأول ومحاولة تصحيح الخطأ فور ووصل الاستبيان من الميدان يؤثر في مستوى أداء الباحث، فلو وجد الباحث أن المشرف مهمل لعمله سيمهل هو الآخر عمله.
توفير البيئة المناسبة للباحثين وهذه نقطة من أهم النقاط، صحيح أن معظم الباحثين يعملون بدوام جزئي ولكن هذا لا يعني أنه لا يحق لهم أن يحظوا ببيئة عمل مرضية، يمكن للمنظمة أن تهيئ أي باحث جديد عن طريق اختباره ومعرفة مدى إلمامه بالموضوع ويمكن أن يعطي تدريبا يمنح بآخره شهادة، وبعد إتمام ذلك يقوم الموظف بالتوقيع على ميثاق أخلاقي معد من قبل الشركة يتعلق بأخلاقيات عمل الباحث يتضمن فيه شرحا عن تبعات تزيف الاستبيانات ليعرف كل باحث ما له وما عليه، سأذكر بعض الأخطاء التي تحدث في بعض وكالات الأبحاث اتجاه الباحثين.
الدخل القليل، عندما تقوم بدفع القليل من المال للباحث من أجل القيام بالمقابلات فستحصل منه بالمقابل على القليل من الاهتمام، وكذلك للتأخير في تسليم المال للأعمال المنجزة، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ”
التدريب الرديء: قبل الشروع في أي مشروع يتم إجراء تدريب لجميع الباحثين على طبيعة الاستبيان وكيفية تدفقه، في حال تم إهمال هذا الجانب في بداية المشروع قد يحدث الكثير من الأشياء التي لا تصب في أهداف الدراسة.
عزل الباحثين عن وكالة الأبحاث: وأعني بذلك منع دخولهم للشركة إلا لحاجة تدريب أو تسليم أو استلام استبيانات وعدم تخصيص مكان معين لهم، أو عدم إعطائهم بطاقات عمل ومعاملتهم كغرباء أو دخلاء مع أنهم حجر أساس العمل في هذه الوكالات، وفي حالة عدم توفير الشعور بالانتماء ستقل الجودة المقدمة منهم
توزيع الكوتا ( العينة المستهدف إتمامها) على أكبر عدد من الباحثين وبالتساوي
إن عملية إعطاء بعض الباحثين عدد من الاستبيانات أكثر من غيرهم ( فقط لكونهم أسرع يعتبر خطأ فادحا) حتى لو كان الباحث نزيها فهو بالنهاية لن يستطيع إلا أن ينهي قدرا معينا من الاستبيانات كل يوم، وضغط العمل الذي قد تعرضه له يؤدي إلى حدوث أخطاء سواءا في تحصيل البيانات أو نسيان بعض الأسئلة أو اختصارها …
على المشرفين أن يقوموا بتقسيم العينة بالتساوي على الباحثين وعلى أكبر عدد من الباحثين، الكثير من المشرفين يعلم أن الباحثين لديهم هم موظفين بدوام جزئي ومن المحتمل أن كثيرا منهم يعمل مع أكثر من وكالة أبحاث ولك أن تتخيل إن كان الباحث يعمل لديك ولغيرك … فكم من الاستبيانات يمكنه أن ينهي في يوم واحد، هذا بالإضافة إلى الدراسات الأخرى التي يقوم بها الباحث في نفس الوكالة لأنه وكالات الأبحاث قد تدير بنفس الوقت أكثر من 15 مشروعا في وقت واحد، يجب أن يكون ذلك منظما من قبل المشرفين حتى يعرفوا كيف يديروا باحثيهم ويعرفوا مدى تفرغ وانشغال كل واحد منهم، والمسألة حسابية بحتة إذا يمكن لوكالة الابحاث أن تضع قائمة على الإكسل بكل مشارعيها وبعدد الاستبيانات الذي يجب تحقيقه في كل مشروع، وتضع بجانبه الوقت المتوقع لتحقيق الاستبيان بحسب كل مشروع ثم بالمقابل قائمة بالباحثين وعدد ساعات العمل المتوفرة لديهم كل يوم وبالتالي ستعرف الوكالات قدرتهم الانتاجية وتعطيهم على قدر وقتهم عدد مناسبا، ولكن تبقى هناك مشكلة أن بعض هؤلاء الباحثين يتعامل كما ذكرنا سابقا مع أكثر من وكالة أبحاث، فلو توفرت جهة إشرافية رقابية كمظلة فوق كل وكالات الأبحاث يمكن حينها ضبط الجودة وبطريقة حسابية بشكل أفضل
الاتصال بالمجيبين والتحقق من أن المقابلة أجريت
(Call Back)
تعتبر هذه الطريقة من أكثر وأقدم الطرق إتباعا، حيث يقوم عدد من الموظفين أو الموظفات بالإتصال على هاتف المجيب الموجود على الاستبيان و يتم طرح بعض الأسئلة عليه للحكم على الاستبيان ما إذا كان مؤهلا أم لا، ولكن حتى هذا الأسلوب ليس مجديا بما فيه الكفاية فبعض الباحثين أصبح لديه خبرة ومعرفة في نوعية الأسئلة التي قد يطرحها موظفي قسم الجودة وبهذا يمكنهم خداعهم إذا قاموا بإخبار المجيب الحقيقي أو الوهمي بكيفية التجاوب مع موظفي ضبط الجودة، ولكن خبرة موظف الجودة واختياره الصحيح للأسئلة التي يسألها يمكن أن تعطي دلائل عن كذب المجيب وبالتالي إلغاء الاستبيان كليا وحرمان الباحث الميداني من مستحقاته
إجراء تقييم دوري للباحثين
قرأت عن بعض الشركات التي تقوم بتقييم باحثيها بشكل دوري، حيث يتم وضع تقارير تراكمية عن حال كل باحث في كل الدراسات يظهر بها عدد المقابلات المرفوضة في كل دراسة لكل الدراسات، وبناءا على عدد المخالفات التي قام بها الباحث يمكن أن يعاقب ويوجه له إنذار أو فصل من العمل إذا تطلب الأمر، كما يمكن لمن يحمل سجلات نظيفة أن يكافئ ويمنح أولوية في الحصول على المزيد من الاستبيانات أكثر من غيره، هذا النوع من التقييم يحفز الباحثين كثيرا على تقديم أفضل ما لديهم.
حلول عملية مقترحة للشركات التي تطلب الابحاث من وكالات الأبحاث
ضبط الجودة لا يقع على عاتق الوكالات وحسب بل يقع أيضا على عاتق الشركات الطالبة للأبحاث، وينبغي على تلك الاخيرة أن يتوفر لديها شخص مختص بالأبحاث ولديه خبرة عملية كافية في وكالات الابحاث نفسها وذلك ليستطيع بداية اختيار الوكالات الجيدة وتجنب السيئة منها ولكي يضبط الجودة بشكل أكبر حتى لو قصرت وكالة الأبحاث في ذلك، ويمكن ذلك من خلال مرافقة الباحثين الميدانين أثناء إجراء المقابلات في حالة المقابلات وجها لوجه، الاستماع للمقابلات الهاتفية المسجلة وتقييم جودتها، الحرص على استخدام أحدث ما توصلت له التكنولوجيا من أجل ضبط الجودة بشكل أكبر، التحقق من جودة العينة المجندة في حالة الأبحاث النوعية واستبعاد أي شخص يشك في عدم تأهله للمشاركة
هناك توجه متبع من قبل العديد من الجهات التي تحتاج إلى الأبحاث التسويقية لاتخاذ قراراتها أو لقياس رضا وتجارب عملائها وهي أن تقوم ببناء بنية تحتية لديهم داخل الشركة من أجل إجراء هذا القياس وهذا مسلك فعال جدا في حال اعتبار أن تكلفة الإسناد الخارجي ستكون أكبر من تكلفة التنفيذ داخليا وأنا معه قلبا وقالبا، إلا ان سياسات بعض الشركات بالإضافة إلى كسل القائمين على الأبحاث فيها يمنعهم من اتخاذ قرار إنشاء بنية تحتية داخلية وذلك لتجنب تبعات إدارة تشغيل هذه البنية لأن إدارتها ليست بتلك السهولة التي قد يتصورها البعض
هناك طريقة تسمى باختبارات الأماكن المركزية
Centralized location test
وفكرتها أن يتم إحضار الفئة المستهدفة إلى مكان معين من أجل إجراء المقابلات وهذه تعطي تحكم أكبر للشركات الطالبة للأبحاث بضبط الجودة من خلال التواجد في ذلك المكان ومعاينة جميع المجيبين الذين يتم إحضارهم للمكان من أجل إجراء المقابلات ولكن هذه الطريقة تتطلب تفرغ كلي من قبل أحد ممثلي الشركة الطالبة للبحث
يمكن الاعتماد بشكل كبير على التكنولوجيا وطرق جمع البيانات التي تعتمد عليها من أجل ضبط الجودة بشكل أكبر فالمقابلات التي تأخذ طريق الاستبيان الورقي في طريقها للاندثار في عديد من الدول المتقدمة ويحل محلها منهجيات متقدمة جدا كأبحاث التسويق العصبي والتي يتطلب إجراءها توفر أجهزة تقنية متقدمة باهضة الثمن، إلا أن بعض تطبيقاتها بدأ بالانتشار من خلال بعض الوكالات في السعودية
طول الاستبيان عامل أساسي في الحصول على نتائج سيئة وعامل رئيسي في دفع الباحث الميداني للغش، فالمجيب بالنهاية لن يتحمل أن يمضي الكثير من الوقت لاستقصاء رأيه، فالجهات الطالبة للبحث يجب أن تضع ذلك في عين الاعتبار ولا تركز إلا على أهم الأشياء أم أن يحشو الاستبيان بالغث والسمين فسيتحمل لاحقا عواقب ذلك
بعض من أعذار الباحثين لتبرير تصرفاتهم
1- لا يصرف لنا الكثير من المال لإجراء كل استبيان: ربما كان كلامهم صحيح إذا اما قارنوا ما يحصلوه عليه بمقابل ما تحصل عليه وكالات الأبحاث، ولكن هذا لا يبرر الخطأ، وإن كان ما يقوله الباحثون صحيحا فالأولى أن يتقدموا بشكوى جماعية إلى الجهة المسئولة والتي تستطيع رفع المبلغ المدفوع إلىهم مقابل إجرائهم للمقابلة بدلا من أن يغشوا ويقلبوا النتائج بفعلهم الشنيع رأسا على عقب.
2- كل شركات الأبحاث بنفس المستوى: يقصدون بأن الباحثين الميدانين في شركات الأبحاث الأخرى لا يقدمون عملا أفضل مما يقدمونه هم، وهذا عذر أقبح من ذنب، قال صلى الله عليه وسلم : ” لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا” أخرجه الترمذي
3- الاستمارة طويلة جدا: وبهذا العذر أتفق معهم، ففي كثير من الكتب ذكر بأن الحد الأقصى لطول الاستبيان في المقابلات وجها لوجه يجب أن لا يتجاوز الـ 30 دقيقة
تأثير غش الباحثين على الحياة بشكل عام
لا أدري هل تأمل بعضكم يوما في مقدار الضرر الذي يحصل من جراء غش الباحث على الحياة بشكل عام ؟ فالباحث الميداني حينما يغش لا يهيمن على تفكيره في تلك اللحظات إلا الطمع في الحصول على المزيد من الأموال، ويخفى عليه الضرر العظيم الذي تتدرج هرميته من زلات أقلامه، فحين يتم تسليم الشركة بيانات خاطئة ومكذوبة لا تعكس الواقع، ويبني ذلك العميل الذي أجرى البحث قرارت ضخمة على نتائج البحث تتضخم المشكلة وقد تتحول المشاكل الحالية التي أجرى البحث لحلها إلى مصائب أكبر وقد يصل الضررإلى المستهلكين أنفسهم وقد يتضرر الموظفين في حال كان البحث يقيس مستوى رضى المستهلك أو يتم ترقية بعضهم والثناء عليهم وهم لا يستحقون ذلك الثناء، والتأثير الأكبر يحدث على المدى البعيد فعندما يتخذ أصحاب القرار قراراتهم بناءا على توصيات وكالات الأبحاث ويجد أصحاب القرار أن هذه القرارات كانت خاطئة، ستنحدر سمعة وكالة الأبحاث في السوق ويشتهر عنها بأن نتائجها أبعد ما تكون عن الواقع والمصداقية.
الخاتمة
هدفي من هذا المقال ليس نسف جهود الوكالات فكما ذكرت سلفا بأن هناك وكالات تسعى وبشكل مستمر لإيجاد أفضل الآليات لضبط الجودة وتحسينها من خلال عدة طرق أحدها تسخير التكنولوجيا، كل ما أردته هو رفع الوعي عن هذا الجانب الخطير لدى كل من العاملين في وكالات الأبحاث وكذلك الجهات الطالبة للأبحاث، عذرا على الإطالة وما هذا إلا غيض من فيض، أتمنى من القراء بمشاركة آراءهم وتجاربهم الشخصية
[1] التمهيد مقتبس من كتاب تكوين المفكر للدكتور عبدالكريم بكار ص99-100