كتابة تجربة المستخدم
تمهيد
جميع الواجهات الرقمية من مواقع إلكترونية وتطبيقات وبرامج -التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا- كنت أتصفحها باللغة الإنجليزية رغم حبي للغة العربية واعتزازي بها، وكانت المشكلة واضحة جلية في الواجهات العربية، بمجرد ما أقوم بتغيير الإعدادات للغة العربية أدخل في متاهة لا مخرج لها بسبب المفردات المستخدمة التي ترجمت بطريقة حرفية لتقدم مدلولات بعيدة كل البعد عن مقاصد استخدامها
لاحظت في السنوات الأخيرة بأن الواقع بدأ يتغير بشكل ملحوظ وسريع جدا، قمت منذ سنة تقريبا بشراء لعبة معروفة يحبوها بناتي اسمها هورايزن (الغرب المحظور) … كنت مدهوشا بجمال اللغة العربية في واجهات وإرشادات اللعبة أكثر من اللعبة نفسها وهذا جعلني أتساءل أكثر ما السر وماذا تغير

إلي أن قرأت كتابين عن كتابة تجربة المستخدم واكتشفت تصاعد الاهتمام به مؤخرا من عدة شركات عالمية بشكل طردي مع زيادة الاهتمام بالرقمنة والتجارب الرقمية
في هذا المقال سأقدم لكم نبذة تعريفية عن التخصص وعن الفرق بينه وبين أنواع الكتابة الأخرى وعن علاقته بتجربة المستخدم وتجربة العميل وكيف أن هذا التخصص أصبح من المسارات المهنية الأعلى طلبا
ما هو تخصص كتابة تجربة المستخدم
هو علم وفن صياغة نصوص سهلة الفهم، واضحة الرسالة، تساعد مستخدم الواجهات الرقمية (الويب والتطبيقات والبرامج) على القيام بالإجراء الصحيح وتمكنه من تحقيق المهمة التي يرغب بإنجازها بشكل بديهي دون بذل أي عبء ذهني، كما تضمن له أن يستخدم الواجهة في المرات القادمة بكل سهولة وكأنما تسنى له حفظها من أول استخدام
يعمل كتّاب تجربة المستخدم عن كثب مع المصممين ومهندسي البرمجيات للتأكد من أن النصوص التي يكتبونها متوافقة مع الشكل العام والمظهر للمنتج ويعتمدون في انتقائهم للنصوص على إرشادات متوافق عليها (في دليل أسلوب كتابة المحتوى) لضمان اتساق ووحدة اللغة عبر جميع القنوات التي يتواصلون من خلالها مع عملائهم
يجدر بالذكر تداول مسمى (مصمم محتوى) وكذلك (استراتيجي محتوى) كمسميات أخرى لنفس التخصص وهي مسميات وظيفية شاع استخدامها في بريطانيا والشركات البريطانية ولكن مهامها تدور كلها في فلك التخصص نفسه
كيف تختلف الكتابة لتجربة المستخدم عن أنواع الكتابة الأخرى
في حين أن هناك بعض أوجه التشابه بين كتابة تجربة المستخدم والأنواع الأخرى من الكتابة، إلا أن هناك أيضًا اختلافات جوهرية. على سبيل المثال
يركز كاتب الإعلانات (كوبيرايتر) على جذب انتباه العملاء لإقناعهم باستخدام/شراء منتج ما ويميل في أسلوبه للسرد القصصي ويتعامل في معظم وقته مع التسويق وغالبا ما يكون دوره في مراحل متقدمة بعد إطلاق الخدمات
بينما يركز كاتب تجربة المستخدم على مساعدة المستخدم وتحقيق احتياجاته من خلال استخدام كلمات بسيطة وواضحة وموجزة موجهة نحو المنتج ويميل في أسلوب كتابته للأسلوب التحاوري ويعمل في معظم وقته معه المصممين ومديري المنتجات ويكون دوره في مراحل مبكرة قد تبدأ من قبل إطلاق المنتج
الكتابة الصحفية والكتابة القصصية أو الروائية لها أهداف أخرى كذلك ولا يمكن لأي كاتب متخصص بنوع كتابة معين أن يخلع قبعته بسهولة ويرتدي قبعة أخرى ما لم يفهم تفاصيل الصنعة
الأثر على تجربة المستخدم وتجربة العميل
دعونا نتخيل بأننا مسافرين وقد وصلنا لوجهة نزورها لأول مرة بها مطار عملاق لكنه لا يتضمن أي لوحات إرشادية، ما يعرف بال
Wayfinding signage
وهي لوحات وظيفتها أن ترشد المسافرين نحو مكان أخذ الأمتعة أو صالة الانتظار (الترانزيت) أو الحمامات -أعزكم الله-. أو دعونا نتخيل بأن هذه اللوحات متوفرة لكن بلغة محلية دون توفر لغة عالمية مثل الانجليزية، أو أن اللوحات متوفرة لكن بأحجام صغيرة أو أماكن خاطئة وفوق كل ذلك لا يوجد أي من موظفي المطار يمكننا التخاطب معهم بلغة مفهومة … كيف ستكون تجربتنا في ذلك المطار وكيف سيكون تقيمنا له إن كتبنا عنه مراجعة؟
العواطف والمشاعر الناتجة من تجربة ما تؤثر بشكل كبير على قرار العميل في الاستمرار بالتعامل (الولاء)، وفي التجارب الرقمية يصبح تحدي خلق عواطف إيجابية أكبر بكثير في ظل (غياب العنصر الإنساني) والتصاميم وحدها لا تكفي مهما كانت جذابة لخلق تجربة إيجابية إن لم تكن مدعومة بنصوص واضحة ومفهومة
وهنا يأتي دور كاتب تجربة المستخدم الماهر في (أنسنة النصوص) فيكتب نصوص واضحة وبديهية تساهم في تقليل الإحباط والارتباك لدى المستخدم وتساعده على تحقيق أهدافه وتولد لديه مشاعر إيجابية وتجعله يشعر بأنه يتحدث إلى إنسان حقيقي وليس إلى آلة، وهو أمر لا يستطيع وصفه المستخدم لكنه يشعر به ويجعله يدمن استخدام منتج معين دون آخر
معرفة كاتب تجربة المستخدم بأساسيات تجربة المستخدم وواجهة المستخدم تمكنه من المبادرة والتنبيه لسيناريوهات في سياق التجربة لم ينتبه لها أحد من قبله خصوصا تلك الخارجة عن المسار السعيد (هابي باث) وهذا يجعل من وجوده إضافة لأي شركة يعمل معها أو لها
تزداد حاجتنا يوما بعد يوما لاستخدام التطبيقات ومواقع الإنترنت وطرديا تزداد حدة المنافسة ولا يتصدر إلا من يوفر تجربة أكثر مرونة وسهولة في الاستخدام. وأحد عناصر النجاح الأساسية في تحقيق ذلك (كتابة تجربة مستخدم فعالة)
للتحدث عن العائد على الاستثمار من كتابة تجربة المستخدم، هناك مؤشرات عديدة يمكن لكاتب تجربة المستخدم استخدامها لإثبات أثر إسهاماته لكني سأكتفي بهذا المثال لكي لا أطيل عليكم: قالتماجيستانفيل، كبيرة كاتبي تجربة المستخدم في جوجل: عندما غيرنا أحد النصوص في عملية البحث عن فنادق من (حجز الغرف) إلى (التحقق من تواجد الغرف) وهو ما كان يتوافق مع عقلية المستخدمين. ازداد معدل التفاعل بمقدار ١٧ بالمائة (مترجم بتصرف) المثال باللغة الإنجليزية أدناه

نبذة عن أطار عمل كتابة تجربة المستخدم
تتطلب الكتابة الفعالة لتجربة المستخدم القيام بمجموعة من أبحاث المستخدم وأبحاث تحليل المنافسين (قبل) بداية عملية الكتابة للإحاطة بالمفرادات التي يستخدمها المستهدفون بالخدمة ولمعرفة النبرة الأنسب للتخاطب معهم، وإلا ستكون مخرجات الكتابة (مجرد افتراضات وآراء شخصية) وهذا هو الجانب العلمي من التخصص
الكتابة تستهدف فئة محددة وليست للجميع ولذلك يعتمد الكاتب على خريطة التعاطف وعلى تحليل شخصيات العملاء (البيرسونا) ليتمكن من فهم احتياجات الفئة المستهدفة ودوافعهم النفسية ليحاول من خلال نصوصه أن يحقق كل من أهداف المستخدمين وأهداف الشركة.
يحاول الكاتب كذلك أن يفهم السياق من خلال اطلاعه على خريطة رحلة المستخدم أو تصميمم الواجهات ويقوم بالاستعانة بعدة نماذج وأدوات للوصول إلي النسخ النهائية من النصوص ويضع عدة اعتبارات ويتبع إرشادات تختلف باختلاف مكونات واجهة المستخدم، لا يسعني التطرق لها بتفصيل في هذا المقال
أما (بعد) مرحلة الكتابة -بعد أن تكتب المسودات الأولى-، يعود الكاتب ليختبر النصوص (بمعزل عن التصميم) مع المستخدمين ليتأكد من أثرها على قابلية الاستخدام ومن فهم المستخدمين لها ومن العواطف التي تولدها وأنها لم تسبب لهم أي ارتباك أو عدم يقين أثناء محاولتهم للقيام بإجراء معين
أما الجانب الفني من التخصص فيعتمد على إخراج النصوص بنبرة صوت تعكس شخصية العلامة التجارية وهذا لا يقل صعوبة عن ما سبق فالقاموس العربي غني جدا بعشرات المرادفات للكلمة الواحدة، فكيف يمكننا أن نبدع في انتقاء مفردات تجعل المتلقي يشعر بأن هناك سمات محددة وفريدة للشخصية (شخصية العلامة تجارية) وكيف يمكن للشركة إن تنجح في توليد المشاعر والانطباعات التي تريد أن تولدها لدى عملائنا عند تفاعلهم معها
في الختام
Easy reading is damn hard writing
عندما تقرأ شيء فتشعر بأنه بسيط وسهل الفهم تأكد تماما بأن من كتبه أمضى وقت طويل وهو يتفكر ويكتب عدة مسودات ويختبر ويراجع ويعدل ثم يختبر ويعدل من جديد قبل أن يعتمد النسخة النهائية التي بين يديك، كتابة تجربة المستخدم تخصص مستقل ومعتبر ومخطئ من يظن أنه يمكن لأي شخص في الشركة القيام به ومخطئ من يرمي هذا المسؤولية على مهندسي البرمجيات أو يكتفي بالاستثمار بالواجهة الإنجليزية ثم يكتفي بنقلها للعربية بطريقة الترجمة التقليدية
رسالة شكر وعرفان
من لا يشكر الناس لا يشكر الله، من هذا المنبر أتقدم بجزيل الشكر لك وكل الثناء والتقدير للأستاذمحمودعبدربه الذي حمل على عاتقه راية تعليم هذا التخصص (باللغة العربية) من خلال منصته الرائعة
مكنتني هذه الدورة من إتقان هذه المهارة في عملي (مازلت أعتبر نفسي مبتدئا) وتمكنت بسبب الدورة من تأليف دليل أسلوب كتابة المحتوى والذي سنستخدمه في شركتنا لضبط وتوحيد كل أنواع المحتوى التي تصدر من الشركة لعملائها
للمهتمين في التخصص (وتحديدا الخريجين الجدد في التخصصات التقنية) أقول لا تترددوا في أخذ الدورة مع الأستاذ محمود لأنه أحسن في أعدادها وأتعب كل من بعده فهي ليست دورة كباقي الدورات التجارية: شهرين من التعلم والممارسة العملية وعشرات التمارين والاختبارات ستمكنك من ممارسة هذه المهارة في علمك بإتقان (كموظف بدوام كامل) أو تمكنك من تقديم هذه الخدمة كممارس حر … عدد المتمكنين في هذا التخصص قليل جدا في الدول العربية وهذا يعني أنها فرصة ذهبية
للمهتمين بحضور الدورة المتقدمة مع المنصة، يمكنكم استخدام الكود التالي أثناء التسجيل
UXWAR2
وسيتم تطبيق خصم قدره ١٠٪ وهو صالح للاستخدام حتى نهاية شهر فبراير ٢٠٢٣
إفصاح: ليس لي أي فائدة مادية من استخدام هذا الكود وشكري للمدرب أوالمنصة ليس إعلان مدفوع وإنما بمحض إرادتي وتجربتي الشخصية