تجربة العميل

مثلث الدراما

6 دقائق قراءة

Drama triangle by Dr. Stephen Karpman

تمهيد

مثلث الدراما هو عبارة عن نموذج اجتماعي يلخص التفاعلات الأكثر تدميرا في العلاقات البشرية ويتكون هذا النموذج من أنماط التواصل السلبي التي إما تركز على التآمر أو الاعتماد التواكلي الغير محمود وسلسلة التفاعلات التي تحدث في هذا النموذج تتم في ظل استياء وإحباط الواقعين فيه، قرأت عنه أثناء قراءتي لأحد الكتب وتطرقت لعدة مصادر أخرى لألخص لكم النموذج بالمقالة التي بين أيديكم اليوم، هذا النموذج يتحدث عن حالة التفاعل التي تحدث بين من هم على خلاف وكيف أنهم يقحمون الدراما في علاقتهم بشكل لا شعوري

بحسب بعض الدراسات الدراما مدمنة كما المخدرات، وما يعزز من إدمانها الإعلام وكثرة مشاهدة المسلسلات ومخالطة مدمني دراما آخرين، ينطبق نموذج مثلث الدراما في العمل على الأشخاص الذين يفتقرون إلى الشعور بالتقدير على إنجازاتهم وكما يقوم الطفل بسلوكيات سيئة للفت الانتباه كذلك الموظفين يقومون بتصرفات درامية للفت الانتباه فإن لم يحصلوا عليه بإيجابيتهم سابقا سيحصلوا عليه بتصرفاتهم السلبية

ستجد مدمن الدراما فنان في خلق شيء من لا شيء مبدع في تحوير الأحداث لصناعة قصة وحبكة لا أساس لوجودها في الواقع، هذا الإدمان يمكن ملاحظته على عدة مستويات: أفراد، فرق عمل، إدارات، شركات، طوائف، أحزاب بل حتى حكومات ودول، وأخيرا وليس آخرا الاستغراق في الدراما يتفاقم حتى يصل لدرجة الهوس أو ما يسمى بجنون الارتياب

عناصر مثلث الدراما

يتضمن مثلث كاربمن للدراما ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل بزوايا هذا المثلث (كما في غلاف المقال): الضحية المظلوم، المنقذ المحامي، المعتدي الظالم

وهذه العناصر هي الأدوار التي يلعبها البشر بمحض الإرادة لا بالإكراه على مستوى عقلهم الواعي أو اللاواعي، هذه الدراما ذات الأدوار الثلاثة تتجسد أمام أعيننا كل يوم في عدة أماكن، في العمل، في المنزل، في المدرسة، الجامعة، بين الأصدقاء … الخ وكل متقمص لأحد أدوار هذا النموذج يكاد يقنعك بكثرة التبريرات التي يمكن أن يقدمها لك فيما لو تم تحدي الدراما التي يعيشها

دور الضحية

أن يتم تعنيفك أو اتهامك بشيء لم تقم به فهذا ظلم وقع عليك دون إرادتك وليس هذا ما يقوم به من يلعب دور الضحية، الضحية شخص يحب أن تتسلط عليه الأضواء بأنه مظلوم ومضطهد مسلوب الإرادة ضعيف الشخصية وأن جميع من حوله يتآمر عليه لسبب أو لآخر، لاعب هذا الدور كثير التشكي وكثير الملامة وقلما يتحمل مسؤولية الحدث ودائما يبحث عن مرشد (منقذ) لينقذه ويظن بأنه لن يستطيع النجاح دون مساعدة المنقذ، الضحية لديه المقدرة على التلاعب والاستغلال وهو مبدع في بث روح الاستسلام والشعور بالعجز، يؤمن متقمص دور الضحية بأن الأقدار اختارته لأن يكون ضحية وأنه مسير بذلك لا مخير، كما أن الضحية اتكالي من الطراز الرفيع فإذا شعرت بأن شخص ما يبالغ في طلب المساعدة منك دون تقدير لظروفك فاعلم أنه يعيش دور الضحية في لا مبالاته ولربما اختارك كمنقذ بالنسبة له

هل سمعت بشخص يشتكي من مديره المباشر بشكل مستمر، حتى بعد أن يغير عمله؟ نعم هو يلعب دور الضحية وقانون الجذب يجذبه نحو المديرين السيئين فلا ينفك من هذه المعاناة حتى يتوقف عن لعب دور الضحية

دور المنقذ

هو من يلجأ إليه الضحية باستمرار طلبا للمساعدة أو التوجيه أو الفزعة (بلغة العرب)، شعار المنقذ هو دعني أساعدك أو أنا لدي الإجابة الصحيحة، وجود المنقذ في حياة الضحية يبقيه بعيدا عن أن يعي بأنه يلعب دور الضحية، المنقذ يختلف عن الشخص الذي يحب مساعدة الناس، المنقذ يحب لعب هذا الدور ويظن بأنه مكلف ومسؤول، يحمل نفسه فوق طاقتها حينما يبالغ بالعطاء ولا يستطيع قول لا لأحد في معظم الأحيان بل ويجعل نفسه مسؤولا عن أشياء لا تخصه والمشكلة الأعظم أنه لا يستطيع رسم حدود فاصلة، ويعتقد المنقذ أن هناك دوما شيئا ما يستدعي الإصلاح والتحسين وأنه يجب عليه أن يصرخ بعالي الصوت ويطالب بذلك أو يحاول بنفسه وإذا لم يشعر فإنه يشعر بالذنب كما أنه يطبق إلى حد كبير المثل القائل: باب النجار مخلوع، فهو مع مهارته في تحسين الآخرين إلا أن جوانب تحسينه هو تكاد لا تكون موجودة في قائمة أولوياته، وقد تم تشبيه هذه الشخصية في بعض المقالات بشخصية سوبرمان

في حالات كثيرة يخسر المنقذ أصدقاءه وزملاءه رغم كل ما قدمه لهم، فمبالغته بالعطاء جعلت من حوله يعتادون عطاءه وكأنه أمر مسلم، فإذا ما شعر بأن عطاءه يأخذ من وقته وصحته وبدأ يخفف منه ويعتذر وجد من حوله حانقون متذمرون بسبب ذلك فيخسرهم وإن طالت علاقته بهم

دور المعتدي

هو شخص يتلذذ بالتعدي على الضحية، في الواقع سلوكيات الضحية وطريقة تفكيره تجذب المعتدي ليعتدي عليه، المعتدي بشكل عام مستبد برأيه وشعاره: هذه غلطتك،المعتدي غاضب بالعادة وسريع الضجر قليل الصبر، يرى نفسه على صواب ويرى البقية على الخطأ، لا يتقبل وجهات نظر الآخرين بل ويفرض وجهة نظره على الجميع، إما أن تكون معه أو تكون ضده وكثيرا ما يلقي الاتهمات جزافا، في بعض الحالات لا يكون المعتدي إلا شخص لعب دور المنقذ في السابق ولكنه من كثرة عطاءه شعر بأنه تم استغلاله فأصبح مهاجما بدلا من مدافع وأثقل حمله حينما كان بعيرا حتى جاءت القشة التي قسمت ظهره فأدت إلى تحوله بالكامل من منقذ إلى معتدي … كما أن بعض المعتدين مع الوقت إذا ما تحركت ضمائرهم وشعروا بأنهم بالغوا بالإساءة عادوا ليصبحوا منقذين

يتم تغيير تبني الأدوار من وقت لآخر، فالذي لعب دور ضحية لوقت طويل يمكن أن يعي بأنه يلعب دور الضحية فيظهر لديه الرغبة بالانتقام ليبدأ بلعب دور المعتدي،; كم يمكن أن يتم تقمص هذه الأدوار بشكل جماعي من مجموعة معينة وقد يتجسد ذلك بمثال الاقليات الطائفية حينما تلعب دور الضحية بمساعدة الإعلام حتى لو كانت هي المعتدي في واقع الأمر

مثلث الدراما في الحياة العملية

دورة حياة مستمرة، فالمعتدي يتعدى على الضحية الذي بدوره يطلب المعونة والمساعدة من المنقذ ليقوم المنقذ بإيقاف المتعدي عند حده … كمثال من واقع الحياة العملية: أحمد ومحمد زميلان يعملان تحت مدير اسمه خالد، خالد طلب من أحمد أن يزوده بتقرير أداء عن مشاريع الفريق والتي تطلب إفادة جميع أعضاء الفريق، طلب أحمد من محمد بعض المعلومات فنسي محمد تزويده بما هو مطلوب، فقام محمد بلعب دور الضحية بالتصعيد لخالد وخالد لعب دور المنقذ موبخا أحمد الذي يظن كلا من أحمد وخالد بأنه المتعدي، أحمد حزن كثيرا من سوء الظن وبيده إما أن يلعب دور الضحية طالبا من أحمد توضيح اللبس لمديرهم خالد أو يلعب دور المتعدي لينتقم من إساءة ظنهم وتستمر الدراما ولا ينجز العمل … السيناريو الآخر أن يذهب أحمد لمحمد ويذكره، فيعتذر محمد لنسيانه ويرسل له ما هو مطلوب وانتهت القصة. هل ذكرتك القصة بقصص شبيهة في العمل والمنزل …الخ، الشاهد أن طريقة التعامل مع المواقف ستكون مختلفة جدا فيما لو كانت الشخصيات في ذلك الموقف تتعامل مع المجريات بشكل واقعي أو بشكل درامي، الفرق بين الطريقتين أن الواقعيين يتأكدون قبل أن يضعوا استنتاجات معينة ويقومون بوضع جميع الخيارات الأخرى المتاحة لتنفيذ ما هو مطلوب أما الدرامييون فسيقمون بوضع الفرضيات دون التأكد ودون التفكير بالخيارات الأخرى المتاحة لتنفيذ العمل

الدراما في العمل وباء ينتشر عبر الفرق والإدارات ويتفشى في المنظمة ليصبح ثقافة لها يصعب تغيرها

الخاتمة

هل وجدت نفسك تلعب أحد هذه الأدوار، ربما يكون دورك في المنزل مع عائلتك مختلف عن دورك في العمل، الفكرة أن تخرج نفسك من هذه الدراما وتقتنع أن الدراما للممثلين، لنشاهدها في الأفلام والمسلسلات لا لنتقمصها ونجعلها جزء من حياتنا اليومية، حتى أولئك الضحايا الذي فعلا يستحقون لقب ضحية كمن ولدوا بأمراض نادرة أو عاهات مستديمة تمكنوا من فعل المستحيلات عندما قرروا أن لا يلعبوا دور الضحية، بعد إدراكك لهذه الأدوار عليك أن لا تسمح لمدمني الدراما بالتأثير عليك وإذا استطعت أن تقنع أحد لاعبي هذه الأدوار بالإقلاع فافعل، دمتم بود وواقعية بعيدا عن الدراما

ملاحظة

“الآراء الواردة في هذا المقال شخصية ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر جهة العمل التي أنتمي إليها”

يسعدني مروركم على مقالاتي الأخرى هنا

هناك فلسفة عميقة وراء هذا النموذج، يمكنكم الاستزادة من خلال القراءة عنه ضمن المصادر التالية

Karpman drama triangle

Stop workplace Drama

The Power of TED* (*The Empowerment Dynamic)